هل الجزائر وليبيا شقيقتان وحليفتان تستوجبان الدعم والمساندة؟

هل الجزائر وليبيا شقيقتان وحليفتان تستوجبان الدعم والمساندة مهما كان الثمن، أم حلقة من مؤامرة الغرب ضد قرطاج ووريثتها تونس؟

مع تراكم التهديدات على المنطقة المتوسطية عامة والمغاربية بالخصوص بما في ذلك تسريبات مفادها سعي بعض الأطراف لاقحام الجزائر في الصراع الأمريكي الإسرائيلي والإيراني من جهة وتونس في الصراع الروسي الأكراني من جهة أخرى، وتواتر مناشدة عديد الأصوات لمناصرة الجزائر وليبيا ضد ما يُرتأى من مؤامرات غربية تستهدفهما، تتساءل أصوات أخرى عن جدوى هذه المناصرة.

وتطرح هذه الأصوات سؤالاً مغايراً وجريئاً ولو كان افتراضيا: ما إذا كانت هاتين الجارتين الإقليميتين المستحدثتين تُشكلان عناصر موضوعية في المؤامرة التاريخية للغرب ضد قرطاج ووريثتها تونس؟

1.تقزيم الجغرافيا وحرمان تونس من مقومات النهضة:

ينطلق هذا التساؤل من قراءة جيوسياسية وتاريخية ترى في الواقع التونسي الراهن امتداداً لصراع قديم تقاطعت فيه مصالح قوى دولية وإقليمية. وجوهر هذه الأطروحة يقوم على فكرة أن تونس المعاصرة لا تزال تواجه سياسات تهدف إلى تحجيم دورها، ومنعها من امتلاك مقومات النهوض والاستقلال الفعلي، ليس فقط من القوى الاستعمارية الأوروبية التقليدية، بل من خلال الخيارات السياسية والترابية التي تبنتها الكيانات الحدودية المجاورة بعد استقلالها، والتي أدت موضوعياً إلى تضييق الخناق على جغرافيتها السيادية وحرمانها من ثرواتها الحيوية.

تضرب عراقة تونس جذورها في أعماق التاريخ الإنساني، ممتدة من الحضارة القفصية التي شهدت فجر المجموعات البشرية المنظمة وأولى تجلياتها الفنية والثقافية، وصولاً إلى مجد قرطاج التي بسطت نفوذها السياسي والاقتصادي على حوض البحر الأبيض المتوسط. فلم تكن هذه الرقعة الجغرافية يوماً مجرد فضاء عابر، بل مركز ثقل سيادي وسياسي أنتج أول جمهورية في تاريخ البشرية، وهي الحقيقة التي أفرد لها الفيلسوف الإغريقي أرسطو فصلاً كاملاً في كتابه الشهير "السياسة".

لقد امتدح أرسطو دستور قرطاج بصفته نموذجاً فريداً للتوازن السياسي، ومجّد فضل هذا النظام الإنساني الذي حمى الدولة من الطغيان والانقلابات طيلة قرون. هذا السبق الحضاري والدستوري الممتد من الحضارة القفصية إلى قرطاج هو تحديداً ما جعل وريثتها تونس مستهدفة بمحاولات الاحتواء الدائم لضمان ألا يستفيق الفينيق القرطاجي مجدداً.

يرتبط النهوض الاقتصادي والسياسي لأي دولة بمدى اتساع مجالها الجغرافي وما يحتويه من ثروات طبيعية وعمق استراتيجي. ومن هذا المنطلق، يرى الموقف أن الجغرافيا التونسية الحالية هي نتاج عملية بتر ممنهجة نفذتها القوى الاستعمارية وتواطأت فيها الترتيبات السياسية اللاحقة.

لقد تعاملت الإمبراطورية الفاشية الإيطالية مع تونس كأولوية استراتيجية ومجال حيوي لا غنى عنه للسيطرة على وسط البحر الأبيض المتوسط ومضيق صقلية.

ومن أجل احتواء أي صعود مستقبلي لهذا الكيان الجغرافي و الاستجابة الأزلية لصرخة السيناتور الرومي كاتو الأكبر "يجب تدمير قرطاج"، و اثر فشل مساعيها لاستعمار تونس مارست إيطاليا ضغوطاً أسفرت عن اقتطاع مساحات واسعة من الجنوب التونسي التاريخي وضمتها إلى مستعمرتها في ليبيا، لا سيما عبر الترتيبات السياسية التي توجتها اتفاقية لافال-موسوليني عام 1935. كان الهدف صريحاً: حرمان تونس من أي امتداد صحراوي قد يشكل قاعدة لنموها الاقتصادي أو عمقاً لأمنها العسكري.

من جهتها، أدارت فرنسا الاستعمارية المنطقة وفق منطق قانوني وإداري تمايزي؛ فبينما كانت تونس تحت نظام الحماية، كانت الجزائر تُعامل إدارياً كمقاطعة فرنسية.

هذا التمايز دفع الإدارة الاستعمارية إلى توسيع حدود الجزائر شرقاً وجنوباً على حساب الأراضي التونسية التاريخية، لضمان إلحاق المناطق الغنية بالمعادن والثروات الطبيعية بالمنطقة الخاضعة للسيادة الفرنسية الكاملة.

وعندما نالت الجزائر استقلالها، تمسكت سلطاتها الجديدة بحدود الأمر الواقع الاستعماري، وتراجعت عن الاتفاق المبرم سنة 1961 بين الحبيب بورقيبة وفرحات عباس (رئيس الحكومة المؤقتة الجزائرية آنذاك)، وفُرضت على تونس لاحقاً اتفاقية ترسيم الحدود ذات الخلفيات المريبة في جانفي 1970 لاستغلال ظروف تونس السياسية والاقتصادية الحرجة وتثبيت بتر أراضيها التاريخية الغنية بالطاقة.

ولم يتوقف هذا البتر الممنهج عند الحدود البرية الغربية، بل امتد للحدود البحرية والبرية الشرقية. حيث شكلت اتفاقية سنة 1955 بين فرنسا والمملكة السنوسية في ليبيا ضربة قاصمة للجغرافيا التونسية؛ إذ تنازلت فيها فرنسا (بصفتها القوة الحامية لتونس آنذاك والمديرة للتوازنات الإقليمية) عن مساحات شاسعة من الحقوق الترابية والتاريخية التونسية لترسيخ حدود طرابلس.

هذه الاتفاقية الفرنسية-السنوسية اتخذتها محكمة العدل الدولية لاحقاً ذريعة أساسية ومستنداً قانونياً لحرمان تونس من حقوقها المشروعة في الجرف القاري، وبالتالي سلب وريثة قرطاج من ثروات حقل البوري النفطي والغازي الهائل. هذا الإقصاء القضائي، المستند إلى التخطيط الاستعماري، منع تونس من تحقيق طفرة طاقية واكتفاء ذاتي كان كفيلاً بنقل اقتصادها إلى مصاف القوى الإقليمية المؤثرة.

2.البعد الروحي والنفسي للاستعمار: عقدة لويس التاسع:

لا يمكن فصل التموقع الجيوسياسي لفرنسا في تونس عن بعد نفسي وتاريخي يعود إلى العصور الوسطى. لطالما نظرت فرنسا إلى نفسها بصفتها "البنت الكبرى للكنيسة"، وحملت ذاكرتها التاريخية غصة انكسار الحملة الصليبية الثامنة عام 1270 بقيادة الملك لويس التاسع، الذي تحطمت طموحاته عند أسوار قرطاج وتونس حيث لقى حتفه.

حين دخلت القوات الفرنسية تونس عام 1881، لم تكن تتحرك بدوافع اقتصادية وعسكرية بحتة، بل كانت مدفوعة برغبة رمزية في رد الاعتبار لتلك الهزيمة التاريخية. وتجسد هذا التوجه بشكل مادي في تشييد كاتدرائية القديس لويس ومقبرته فوق أعلى ربوة في قرطاج, وهي المركز الروحي والسياسي للحضارة القرطاجية القديمة. كان هذا البناء إعلاناً سياسياً وثقافياً فوق أنقاض السيادة التونسية، ومحاولة لربط هوية المكان بالهيمنة الأوروبية وتجريد تونس من سيادتها الحضارية.

3.زعزعة الاستقرار والمؤامرات الإقليمية: من قفصة 1980 إلى عربدة الميليشيات:

لا يقف التواطؤ الإقليمي عند الحصار الجغرافي والقانوني، بل تعداه تاريخياً إلى استخدام القوة المسلحة لتركيع الدولة التونسية. وتُعد عملية قفصة المسلحة في 26-27 جانفي 1980 الشاهد الأبرز على التناغم الموضوعي بين القوى الجارة لضرب استقرار تونس. حيث كشفت التحريات والشهادات السياسية أن الهجوم تم بترتيب جزائري-ليبي مشترك؛ منحت فيه المخابرات الجزائرية الضوء الأخضر للمجموعات المسلحة التونسية التي دربها وسلحها نظام معمر القذافي في ليبيا للتسلل عبر الحدود. كان الهدف من العملية إسقاط نظام بورقيبة وإدخال تونس في فوضى عارمة تقضي على نموذجها المدني المتميز.

وطوال عقود، عانت تونس من تهديدات وغطرسة العقيد معمر القذافي الذي حاول بشتى الوسائل قضم السيادة التونسية وفرض إملاءاته السياسية والاقتصادية. ومع سقوط النظام الجماهيري والقضاء على من كان يُلقب بـ"ملك ملوك إفريقيا"، لم تجنِ تونس الاستقرار، بل واجهت خطراً من نوع آخر. فقد تسببت فوضى وعربدة الميليشيات والجماعات المسلحة في ليبيا بإغراق الحدود التونسية بسلاح التهريب والإرهاب.

هذا الانفلات أثبت واقعياً اندثار الكيان الاصطناعي الذي سطره الاستعمار في ليبيا، وفككت أوصاله القبائل والعروش والنزعات الجهوية التي لم تكن تخضع أساساً لأي سلطة مركزية متماسكة قبل حقبة الاستعمار الأوروبي، مما جعل من الجار الشرقي مصدراً مزمناً لتصدير الأزمات الأمنية والاقتصادية لإجهاد الدولة التونسية المعاصرة.

4.سلوك الجوار الإقليمي بعد 2011: خلط الأوراق بسلاح "الإرهاب الموجه" والوصاية:

تمتاز المرحلة المعاصرة و السياسات الإقليمية المحيطة بتونس بعد عام 2011 بتلاقي موضوعي مع الأهداف الغربية التاريخية الرامية إلى احتواء تونس ومنعها من تقديم نموذج حضاري وسياسي مستقل ومستقر.

فبينما تميزت تونس بريادتها الإصلاحية التي توجت بهدم منظومة الاستبداد عام 2011، شكل هذا التوق الشعبي نحو بناء دولة المؤسسات والمحاسبة مصدر قلق وجودي للأنظمة المجاورة. وهنا يبرز الجانب الأكثر قتامة في الأدوار المشبوهة التي لعبتها "المصالح المختصة" للجار الغربي استنادا إلى تصريحات عديد المسؤولين السابقين ومحللين سياسيين مطلعين أشاروا إلى ضلوع وتواطؤ أطراف جزائرية في إذكاء وفتح منافذ اللوجستيك لعمليات إرهابية دموية هزت الجبال والمدن التونسية بعد الثورة.

لم تكن هذه العمليات -وفقاً لهذه القراءات- مجرد حركات معزولة، بل "إرهاباً وظيفياً " جرى تحريكه وتوظيفه استخباراتياً لخلط الأوراق السياسية داخل تونس، وزعزعة الثقة في المسار الديمقراطي الناشئ، وإحاطته بحزام من النار والدم. كان الهدف الاستراتيجي يتمثل في شرعنة التعامل الأمني الصارم ودفع الدولة التونسية لقمع وحظر المطالب الاجتماعية، السياسية، والنقابية المشروعة تحت مسمى مكافحة الإرهاب، مما قد يقلص من العدوى الديمقراطية ويوجه تونس إلى مربع الوصاية والتبعية.

ويتكامل هذا الدور مع أدوات أخرى:

-الضغط الاقتصادي والطاقي:

استخدام ملفات الطاقة والحدود والمساعدات كأدوات لتوجيه السياسات الداخلية التونسية والحد من استقلالية القرار الوطني.

-المقاربة الأمنية والوصاية الثنائية:

فرض تصور يمنح الأولوية للمقاربة الأمنية، ويستشف هذا التوجه بوضوح من خلال المشاورات الجزائرية الإيطالية المكثفة بخصوص أمن تونس وسلامتها؛ وهي مشاورات تُقرأ تونسياً كمحاولة لتجاوز السيادة الوطنية التونسية وتقرير مصيرها وراء الكواليس ضمن ترتيبات إقليمية تعيد صياغة دور تونس كمنطقة عازلة تابعة للقرار المشترك بين روما والجزائر.

-معضلة الهجرة وإعادة التركيبة الديمغرافية:

يبرز التناغم والتكامل الموضوعي بين السياسات الإقليمية والأوروبية في كيفية إدارة ملف تدفقات المهاجرين من جنوب الصحراء، حيث تُدفع هذه الكتل البشرية عبر الحدود نحو الأراضي التونسية، بينما تستقبلهم أوروبا بضغط لصد المنافذ البحرية وتحويل تونس إلى مركز احتجاز دائم، مما يثير مخاوف جدية لدى العديد من التونسيين من مغبة تغيير الهوية الوطنية، وإرباك التركيبة الديمغرافية والعرقية للبلاد، وهو ما يُعتبر حلقة متقدمة من مسلسل سلب تونس هويتها وتراثها واستنزاف مقدراتها.

5.معركة الذاكرة والاستحواذ الثقافي وطمس العطاء الإنساني:

لا يقتصر الحصار حسب هذه وجهة النظر على الأبعاد الترابية والاقتصادية، بل يمتد إلى محاولة تجريد تونس من عمقها الرمزي والتاريخي، عبر السعي الدؤوب لتأميم الرموز الفكرية والحضارية التي نبتت وتطورت داخل الفضاء السيادي للكيانات السياسية التي توالت في تونس، وكانت جزءاً لا يتجزأ من ثقافتها وحضارتها وعطائها للحضارة الإنسانية، ونسبها حصرياً للحدود الوطنية الحديثة لدول الجوار.

يتجلى هذا الاستحواذ الثقافي في محاولة احتكار قامات فكرية ودينية تركت بصمة لا تمحى في تاريخ الإنسانية، وصيغت عبقرتيها داخل المنظومة السيادية التونسية:

-القديس أوغسطين:

الذي تلقى تعليمه الأعمق ونضجه الفكري والروحي واللاهوتي الفذ في قرطاج، وداخل مؤسساتها الثقافية والدينية. على هذه الأرض أبدع صياغة أعظم مؤلفاته مثل "اعترافات" و*"مدينة الله"*، فكانت قرطاج هي البيئة الحاضنة التي شكلت منطلق تأثيره الفلسفي الذي غير مجرى الفكر الغربي بأكمله.

-المفكر الفذ ابن خلدون:

ابن تونس الصميم الذي ولد ونشأ وتلقى علومه المعمقة في جامع الزيتونة المعمور، حيث ترعرع في ظل الدولة الحفصية التونسية السيادية. وعلى هذه الأرض، وفي سياق هذا الكيان السياسي المنظم، اختمرت عبقرية هذا العالم الاستثنائي الذي أرسى القواعد الأولى واللبنات الأساسية لعلم العمران البشري، ليُسجل التاريخ باسمه صفة "أب ومؤسس علم الاجتماع" قبل قرون من ظهور الفلاسفة الأوروبيين المحدثين.

إن محاولة تأميم هذه الشخصيات ونزعها من سياق الكيانات السياسية التي احتضنتها وصنعت مجدها في تونس يُفسر تونسياً على أنه استكمال لعملية الطمس والسطو الثقافي. ويهدف هذا السلوك إلى إفراغ تونس من رصيدها الرمزي، وحرمانها من مرتكزات قوتها الناعمة وعطائها الحضاري للإنسانية، بهدف إظهارها ككيان طارئ بلا جذور تحمي قراره السيادي.

خلاصة: نحو استقراء المستقبل واستعادة الرسالة الحضارية:

إن مجابهة هذه التحديات الوجودية تفرض على تونس التحرر من السرديات العاطفية السطحية وشعارات "الأخوة الخانقة"، والدعوة إلى تبني نظرة موضوعية صارمة للماضي بكل محطاته المعقدة واتفاقياته المجحفة. فالتاريخ لا يُقرأ للاستغراق في المظلومية، بل لتفكيك آليات الحصار والاحتواء وتقزيم الذات.

إن الهدف الأسمى للمرحلة الراهنة يجب أن يتركز حول تحصين تونس من التقلبات الداخلية والهزات الخارجية التي تستهدفها من قِبل تيارات عديدة وهاته الكيانات الإقليمية المستحدثة جغرافياً وسياسياً. ويتطلب ذلك ووجوباً التركيز على تدعيم الجبهة الداخلية، وصياغة سياسات وطنية حازمة تدعم السيادة والاستقلالية الوطنيتين على المستويات السياسية، الاقتصادية، والأمني وتحصين الذاكرة.

هذا التجنيد السيادي الداخلي هو الخطوة الأساسية لحماية البلاد، في انتظار ظرف سانح لتكريس حلم اتحاد مغاربي حقيقي؛ اتحاد لا يقوم على الهيمنة أو سياسات المحاور العسكرية والريع، بل يكون مبنياً على دول المؤسسات والقانون، وحرية الشعوب في تقرير مصيرها، وتطلعاتها المشروعة نحو الحرية، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، المحاسبة، والحوكمة الرشيدة.

إن تونس، وريثة الكيانات السياسية المتعاقبة من الحضارة القفصية وقرطاج الجمهورية والقيروان و المهدية و الزيتونة الدستورية، مطالبة اليوم بفرض ندية حقيقية في علاقاتها الإقليمية، لتثبت مجدداً أن هذا الكيان الجغرافي والفكري عصيّ على التذويب أو الإلحاق، وقادر على الانبعاث كمنارة مستقلة في جنوب المتوسط وللحضارة الإنسانية جمعاء.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات