لا يغيّر اللّه ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم"

شجرة الدّفلة دائمة الخضرة بأزهارها البيضاء أو الوردية أو الحمراء جميلة إلى حدّ ما، لكن كلّ الحذر منها فأوراقها، أزهارها، بذورها، جذورها و عصارتها سامّة و خطيرة لاحتوائها على مركّب "الأولندرين" و تسبّب القيء و الغثيان و الإسهال و هبوط الضّغط و اضطراب شديد في ضربات القلب و قد تؤدّي إلى الوفاة.


• حتّى استنشاق دخان حرقها قد يسبّب حالة من الاختناق و قد يكون قاتلا.

• ماذا تنتظر حين تغرس شجر الدّفلة سوى تلك الزّينة المضلّلة الزّائفة؟

• هل تنتظر مثلا أن تجني زيتونا أو تينا أو تفّاحا؟

ثمّ ماذا تنتظر حينما تترك حديقتك أو حقلك دون حرث أو سقاية أو اقتلاع للنّباتات الضارّة و دون أدنى عناية؟ سيغزوه الشّوك و الفطريات و الحشرات و ربّما الجرذان و الأفاعي.

استغرب ممّن صدم ممّا يقع في مجتمعنا من عنف و انحراف و إجرام و تفسّخ أخلاقي و انحلال و انحطاط، و مندهش ممّن اكتشف أخيرا أنّنا في أتون أزمة أخلاقية و قيّمية مستفحلة و كأنّ الأمر حدث و جديد. نحن ندّعي فهما للكيمياء و ننتظر منتوجا نهائيّا لمواد أوّلية غير الّذي من الطّبيعي أن يفرزه تفاعل العمليّة الكيميائية.

تخلّينا عن مسؤوليّاتنا الفردية و واجباتنا و استحقاقات استخلافنا في الأرض، لنرمي كلّ المسؤولية على مسؤولين هم ليسوا إلّا صورة منّا و قد يكونون يحملون أسوأ ما فينا.

عندما ننظر الى هذه الظّاهرة و كأنّنا أطهار أبرياء براءة الذئب من دم يوسف، و كأنّها مستحدثة لم نعرفها من قبل، و كأنّها لم تكن نتيجة طبيعيّة لمسار عقود من الأخطاء الّتي مازلنا مصرّين على عدم تصحيحها، و كأنّنا عاجزون مسلوبو الإرادة لا قدرة لنا على تغيير واقع بائس طبّعنا معه و صرنا نعتبره قضاء و قدرا ،فتلك هي المأساة.

عندما نترقّب خيرا من سلطة كلّ همّها أن تثبّت سلطتها، تحكم بنشر الخوف و تبثّ الحقد و الكراهيّة و تطارد الحرّية عوض المجرمين، و تنخرط في معارك وهميّة عوض مواجهة الأخطار الحقيقيّة، و تستعمل نظريّة المؤامرة كشمّاعة للتّغطية على فشلها في جميع المجالات، و عندما ترسل السّلطة ستّ سيّارات أمن لإيقاف قاصر شارك في مظاهرة احتجاجيّة دعما لفلسطين في حين ترسل سيّارة واحدة لإنقاذ قاصر في حالة اغتصاب جماعي و تفشل في ذلك، فكأنّما ننتظر عسلا من بطون الدّبابير أو تفّاحا من شجرة الدّفلة!

انتشرت المخدّرات بشكل فظيع بشكل يهدّد الجميع وتلك هي إحدى المؤامرات الحقيقيّة و تلك هي الحرب الحقيقيّة الّتي يجب أن تعلن لمواجهتها و ليست حربا وهميّة تستهدف معارضي السّلطة و من خالفوها في رأيها.

تنوّعت الجرائم من قتل و اغتصاب و سرقة و قطع طريق و عنف مادّي و معنوي و صارت أخبارا يوميّة اعتدنا على سماعها.

عمّ الفساد بجميع أنواعه و صار سوء الخلق و صاحب اللّسان السّليط و من ينتج التفاهة على منصّات التّواصل الاجتماعي هو من يتصدّر المشهد و صاحب الصّوت الأعلى.
حالة من التوحّش في عالم يزداد توحّشا.

و مع هذه الصّدمة الآنية لاغتصاب جماعي لقاصر من طرف قصّر تحت تأثير المخدّرات تتوالى التّعليقات و التّوصيات و أغلبها تنصبّ في خانة الرّدع و تشديد العقوبة الى حدّ المطالبة بالإعدام لهؤلاء القصّر المجرمين، و هي مطالب قد تبدو منطقيّة و مشروعة لكنّها غير كافيّة و لن تحلّ المشكلة.

للأسف فإنّ هؤلاء مثل الضّحية هم أيضا ضحايا، ضحايا تخلّينا عن مسؤولياتنا كآباء و أمّهات و عائلة، ضحايا شارع صار موبوءا و خطيرا، و لمؤسّسة تربوية لم تعد تربّي، و فضاء مصحّر اختفت فيه نوادي الأدب و المسرح و السّينما الهادفة و الفنّ الرّاقي و الرّياضة البدنيّة و الفكريّة و خصوصا نتيجة تصحّر السّاحة من كلّ القيم الدينيّة و الأخلاقيّة بعد سياسة تجفيف المنابع و حملات التّغريب و "التّحديث" القسري، هم ضحايا الإعلام و برامج الإفساد التلفزيّة، هم ضحايا منظومة فاسدة مفسدة كان كلّ جهدها مركّزا على تخريب الأسرة و الإنسان لتنتج كينونات هجينة مشوّهة هشّة و غير سويّة.

ما نشهده ليس جديدا بل أعراض مجتمع مريض ينكر مرضه و يتهرّب من التّشخيص و العلاج. لا تكفي مسكّنات المورفين للتغلّب على ورم خبيث تركناه ينتشر و يفرّخ، لا بدّ من عمليّة أو عمليّات جراحية لاستئصاله مع علاج بالأشعّة و الكيمياويات.

مسؤوليّاتنا الفرديّة واضحة و هي أولى بأن نهتمّ بها قبل هدر الوقت بلوم سلطة فاشلة عاجزة منفصلة عن الواقع لا تسمع و لا ترى.

لنبتدئ بإصلاح أنفسنا و استعادة أدوارنا تجاه فلذات أكبادنا و تجاه وطننا و لننتبه إلى عمليّة تحويل وجهته و اغتصابه تماما كما تمّ لتلك القاصر.

"لا يغيّر اللّه ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم".

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات