حول الجريمة الأخيرة (الأصل أن لا يكون ذكر الجريمة مرتبطا باسم الضحية، ولا باسم المكان! فهي جريمة وقعت علينا جميعا، وفي كل شبر من بلادنا).
تنويه: لن أعتذر لأحد عن الحدة واللغة المباشرة. فالأمر لا يتحمل المجاملات!
مع كل جريمة بشعة.. يتكشف، من ردود أفعال "النخبة" على الجريمة، الوجه الأبشع للمجتمع الذي لن يكفّ عن إنتاج بشاعات أفظع منها!
أن يطالب جزء واسع من الخائضين في الشأن العام بالإعدام السريع للجناة، فهذا وحده كاشف لانتشار النزوع الإجرامي لدى هؤلاء! ولا توجد أدنى مبالغة في الأمر.
من يقفز للمطالبة بتفعيل جريمة الإعدام في حق مرتكب جريمة قتل أو اغتصاب أو أي عنف بشع.. بدعوى أن عقوبة الإعدام رادعة للجريمة، هو منظّر للجريمة.. باسم الحرص على القيم والأخلاق والأمان الاجتماعي!
لن أخوض في الجدل الفلسفي والقانوني والحقوقي حول عقوبة الإعدام، فأنا أعرف أن العقل الأغلبي السائد حاليا في تونس غير مؤهل فلسفيا للخوض في هذا الجدل.
سأكتفي بحديث جزئي: من يطالب بتنفيذ الإعدام في السياق التونسي الحالي، مجتمعيا وسياسيا، ينظّر للقتل المجاني ل"المذنبين والأبرياء" سواء..! من يعرف واقع القضاء والتراكم العبثي للملفات أمام قضاة قليلين لا يجدون الجهد والوقت للنظر في عدد مرعب من القضايا المكلفين بحسمها، وحالة المحاكم التونسية وحالة "إدارتها"، وطرق البحث التحقيقي المعتمدة في كل مراكز التحقيق، ثم يطالب بإقرار الإعدام، هو عندي شريك في التخطيط للقتل العمد!
من يظن أن الإعدام رادع للجريمة، لا يعرف الروحية التي يرتكب بها الإنسان جريمته.
أنا خالطت مئات السجناء من أجل قضايا قتل واغتصاب وبراكاجات واقتحام ديار، وصادقت بعضهم صداقة خاصة فعلا ، كلهم بشر أسوياء مثلك ومثلي.. حين تضعهم في سياق سويّ.
لحظة التوحش التي يرتكب فيها "الإنسان" (نعم هو إنسان كامل الإنسانية) جريمته هي لحظة خارجة عنه وطارئة على إنسانيته. بل هي لحظة ينتجها "المجتمع" الذي يتنكر لجريمته ويريد أن يجعلها من مسؤولية "المجرم" وحده.
الطفل الذي يفتح عينيه في الحياة في عائلة منكودة تكابد من أجل توفير أساسيات العيش، في شارع فقير وبائس ووسخ، ومدرسة مهترئة ومعلموها مهمومي الوجوه من أثقال الحياة، وحي كل الذين يكبرونه فيه يشتركون في حلم وحيد، هو مغادرة البلاد للبدء في الحياة! بما يعني أنه ينشأ على عدم اعتبار حياته الوقتية هنا حياةً..! وأن كل ما سيفعله خلالها لا ينتمي إليه!
هذا الطفل.. هو نموذج الشاب التونسي الذي ساد منذ ثلاثة عقود على الأقل. ومن يريد تحميل هذا الشاب وحده مسؤولية فشل مجتمعي دولتي شامل وطويل.. هو شريك في إعادة إنتاج هذا الفشل.
والقول بأن الدولة تستطيع ردعه بعقوبات ثقيلة كلام أمّي.
الذين يرتكبون الجرائم هم فئات تتجدد باستمرار. في أغلبهم لم يعرفوا السجن ليخافوه! وإن عرفوه تنسد أمامهم كل الأبواب إن غادروه.. فلا تخيفهم العودة إليه.. بل أحيانا يسعون إليها.
ولم يعرفوا الإعدام طبعا.. ليخافوه! والظن أن تواتر تنفيذ الإعدامات سيخيف من يفكر في ارتكاب جريمة أمية أيضا. المجرم لا يفكر حين بجرم! إذ الجريمة لحظة غياب كلي للعقل.
أما الذين يحمّلون الأم والأب والعائلة مسؤولية الفشل في تربية البنت التي تخرج بلباس قصير أو الولد الذي يسهر في الشارع حتى أبواب الفجر، في زمن الانترنت والتطبيقات التواصلية المتناسلة والمفتوحة.. فهو كمن يلومني أنا شخصيا على ضياع الأندلس!
كلام لا سياقي مغترب عن الواقع وإسقاط لمواعظ يابسة على واقع يتجاوز العائلة والأم والأب المثقلين بأعباء البحث عن القوت.. في أغلبهم.
هل معنى ذلك أن لا حل؟
يوجد حل طبعا: في ظل دولة تنجح في توفير الشغل الكريم لشبابها وتتيح لمجتمعها الحرية والأمان لبناء قنوات التضامن والتراحم والتقارب ورعاية طفولته وتهيئة مدرسته لتحتضن تلميذها بمحبة وحرص.. ستزدهر إنسانية المواطن.. وسيحب مجتمعه.. وذاته. وستنحسر الجريمة من تلقائها.
أما أن تطالب بالإعدام.. ونحن في هذه الحالة المسخ! وتحمّل أمّا مكلومة مسؤولية التنكيل بابنتها!
فتبا…