حداد على أمّ فاطمة…حداد على ضمائرنا و إنسانيتنا

خلال عاصفة الصّحراء كنت هناك في منطقة لا وجود لها على الخريطة، أولاد نصيب و مركز الأمين و مدرسة عقبة ابن نافع حيث لا ماء و لا كهرباء و لا تلفاز، كنت شابا يافعا كره دراسة الطبّ و لفظته المدينة الصّاخبة لتلقيه جثّة خاوية و تتقاذفه الأمواج ليجد نفسه في مكان لا ينتمي إلى هذا الكوكب الأزرق و كأنّها المدينة الفاضلة، الشّيخ ابراهيم و الشّيخ عمر، و عمّ عبيد و أمّ الحازّة و المعلّم نورالدين و الممرّض محمّد و التّارزي علي و بوكثير و المكتوف و.. عزّ الدين مدير المدرسة ذات القسم الواحد، الّذي عمل بكلّ جهد لأجل أن أرحل بعد أن اكتشف أنّي ذكر و أصلّي...نعم لقد ابتدأت الصّلاة بانتظام منذ أوّل يوم وطئت فيها قدماي تلك الأرض الطيّبة حيث لا مجال فيها للإيجار فاحتضنتني عائلة نورالدّين رحمه اللّه و صرت واحدا منهم.

أذكر في بداية العام الدراسي كيف كنّا نكبّر مع ضربات صواريخ العراق لتل الرّبيع و نحن نستمع إلى المذياع و أذكر في نهايته صرخات أمّ الحازة و هي تبكي ابنها محمّد و قد اعتقلوه بتهمة الانتماء، كنت أشاهدها و هي تلتهم النفّة و اذا لم تجد تغترف غبار الإسمنت و تدخل في نوبة ندب و لطم و صراخ ينشقّ له الصّنوان.

أمّ الحازّة وجدت بعد مدّة طريق ابنها و أمكن لها أن تزوره في سجنه و أمكنها أن توصل له القفّة و تطمئنّ عليه و تشبع عينيها برؤيته و أذنيها بسماع صوته و أمكنها أن تصبر حتّى فرّج اللّه كربها و كربه، ليطلق سراحه و يبقى تحت المراقبة الاداريّة.

هناك أمّهات كثيرات عشن ما عاشته أمّ الحازّة و عائلاتهنّ ، حين كنّا منغمسين في مشاهدة مقابلات الدّربي و حفلات وردة و راغب علامة و عروض النّوبة و نلعب "البيلوت" و "الرّامي"و"الشكبّة" في مقاهينا المكتظّة و بعضنا يرتاد المساجد ليجلسوا في الصّفوف الأولى وراء أئمّة نصف دعاءهم للسّلطان و آخرون تمتلئ بهم الحانات ليملؤوا بطونهم ببنات العنبة و الشّعير و التّين و الشمّر لمن استطاع إليه سبيلا ،بينما يخيّر صنف آخر أن ينغمس في القمار و تعمير قصاصات الرّهان الرّياضي طمعا في ثروة قد تأتي من السّماء!

كنّا جميعا نلهث و نركض و نخوض في كلّ شيء الّا ما صار من المحرّمات، الحديث حول السّلطان و من يتبع السّلطان و من يرحي الحنطة للسّلطان و ما يقوم به السّلطان و جنوده و زبانيته، فحينها ستصبح للحيطان آذان و بسهولة بمكان أن يلتحق من يتجرّأ على خرق صمت القبور بركب آخرين لا يعلم بالتحديد عددهم (يقال بالآلاف) و يحجز له مكانا وراء القضبان.

لم يكن سلب الحرّية وحده هو المخيف بل الحكايات المرعبة الّتي تسرّب عن الممارسات وحصص الإذلال و التّعذيب و كسر الأرواح، من إجلاس على القوارير و وضعيّة الدّجاجة المشويّة و حرمان من النّوم و اغتصاب و اقتلاع أظافر و ربّما قتل يدرج في اطار حوادث الشّغل و المخاطر المهنيّة!

حينما كان الآلاف من بني وطننا يسجنون و يعذّبون و يقتلون لأجل فكرة، كنّا منغمسين في حياتنا اليوميّة و قد ابتلعتنا مشاغلها لنتوسّد مخدّاتنا و ننام هانئين في انتظار إشراق شمس يوم جديد من العهد السّعيد.

و يأتي تافه مؤدلج يرى بعين واحدة و يتساءل بكم كيلوغرام النّضال؟

أمّ الحازّة رحمها اللّه كانت محظوظة فقد عانقت ابنها و احتضتنه بعد سنين محنتها ،فكيف بأمّ بقيت تستجدي بقيّة من إنسانيّة لدى الجلّاد و فينا لكي تعلم أين دفن ابنها؟

في السّابع من أكتوبر من سنة 1991، خرج المهندس الشّاب ذي الواحدة و الثلاثين سنة ، كمال المطماطي من منزله بقابس متوجّها نحو مقرّ عمله بشركة الكهرباء، خرج و ترك ابنته الرّضيعة الّتي لم تتجاوز الستّة أشهر و ابنه ذي الخمس سنوات، خرج و لم يدر بخلده أنّها المرّة الأخيرة الّتي سيراهما فيهما و ربّما لم يودّع زوجته أو أمّه الّتي كانت حينها في تونس العاصمة تتلقّى العلاج، خرج ولم يعد و اختفى إلى الأبد.

ابتلعته مخافر قابس ثم ربّما تونس ثمّ باطن الأرض أو سطحها، لا أحد يعلم أين أخفيت جثّته أو من يعلم مازال يصرّ على أن يخفي ذلك، قيل في مقبرة في المرسى أو في الجلّاز أو في أحد الأعمدة الخرسانية لقنطرة في العاصمة.

طيلة سنوات، أوهمت السّلطات الأمّ الملتاعة بأنّ ابنها حيّ، قبلوا منها مرّة قفّتها، و طلبوا من زوجة المختفي تجديد جواز سفرها على أساس أنّه عبر الحدود، ثمّ صاروا يزورون العائلة من حين لآخر كأنّهم يبحثون عن هارب، طيلة سنوات حفيت قدما أمّ فاطمة بين سجون و إدارات قابس و تونس و بنزرت و جفّت مقلتاها من الدّموع لتعلم بعد 31 سنة من العذاب و الانتظار القاتل بأنّه مات (أكيد تحت التعذيب) و دفن في مكان ما لم تعلمه إلى حدّ أن وافتها المنيّة بعد أربع سنوات في 26 سبتمبر 2026،ماتت دون أن يرحمها أحد و يلبّي طلبها البسيط في أن تجلس على حافة قبر ابنها و تقرأ له الفاتحة.

أيّة قلوب هذه الّتي عذّبت قلب أمّ بهذا الشّكل بعد أن عذّبت ابنها حتّى الموت؟ و أيّة قلوب ميّتة لم تستشعر حجم هذه المأساة؟

ماتت أمّ فاطمة رحمها اللّه و اسكنها فسيح جنانه، و انتقلت من ضيق توحّشنا إلى سعة رحمته، لن تجد من سيمنعها من رؤية ابنها و ضمّه إليها مجدّدا، لن تجد وحوشا مثلنا، ستناجيه و تداعبه مثلما كان طفلا و ستشكونا إلى من لا تضيع لديه الودائع، إلى العدل من لا حكم إلّا حكمه.

حداد على أمّ فاطمة، حداد على ضمائرنا و إنسانيّتنا.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات