"في مدينة العميان الملك أعور" هو مثل لاتيني قديم، على منواله يمكن حبك أمثلة مشابهة، كالقول أنّ في مدينة الخرسان الملك يتهته، و في مدينة الطّرشان الملك به وقر،و في مدينة الخصيان الملك بخصية واحدة،فمابالك بمدينة يجتمع فيها العميان و الخرسان و الطّرشان و الخصيان يصبح الملك من كانت له تلك الملكات المفقودة آية زمانه و يصبح همّه الأكبر أن يعمّق عمى و طرش و بكم و عقم من يحكمهم!
ما أسعد الطّغاة بمثل هؤلاء عندما يتنافس المحكومون على فقإ عيونهم و ثقب طبلات آذانهم و قطع ألسنتهم و خصي أنفسهم إبرازا للطّاعة و تقرّبا للسّلطان، و عندما يبرّر المقهورون قهرهم و يتسلّمون سياط جلّاديهم لجلد أنفسهم و جلد من يستنكرون هذا الجلد!
و ما أتعس من بقيت فيه بعض أدوات الحسّ في مجتمع يصرّ على أن يتجرّد من كلّ حسّ.
أن تحسّ يصبح مصيبة في مدن الصّفيح و الخراب و ضياع المعنى، أن تبصر في مدينة العميان يصبح مرضا و خللا عقليا و هلوسة، و ذاك ما وقع بالضّبط لنيونز عندما سقط من جبل "وينجو" و هبط في واد تسكنه قبيلة كاملة من العميان، مجتمع انغلق على نفسه بالكامل و صار يرفض أيّ صوت يخبره بوجود عالم آخر وراء تلك الجبال العالية، و قد يكون من المستحيل أن تثبت وجود الضّوء لمن عاش قهرا في الظّلام، حيث اختار بطل قصّة جورج ويلز أن يهرب و قد خيّروه بين أن يبقى قرب حبيبته "مدينا" بشرط أن يقتلعوا عينيه أو أن يتركهم، فاختار الرّحيل.
جورج ويلز الّذي كان يؤمن بالاشتراكيّة العلميّة و مناهضا للاستعمار زار ستالين في موسكو سنة 1934 فخرج خائبا عندما لاحظ كيف تحوّلت الأيديولوجيا إلى دوغما مغلقة حوّلت مجتمعاتها إلى مجتمعات عميان و تحوّلت منظومات الحكم فيها إلى فاشيّات متسلّطة تطحن كلّ من يعارضها و تصنّفه إمّا مريضا أو خائنا أو جاهلا، ليكتب بعدها (سنة1939) رواية "الإرهاب المقدّس" حيث يحذّر فيها من الطّغاة سواء أتوا من اليمين أو اليسار و يضع أحد أجمل تعاريف الطّغيان بكونه إصرار على إغلاق العالم في تعريف واحد لا نقاش فيه، و الّذي يتلاقى مع المعنى القرءاني في روعة و إعجاز كلمات "لا أريكم إلّا ما أرى".
هذا العمى الطّوعي الايديولوجي هو ما يجعل الإنسان يلغي أخاه الإنسان و يتلذّذ بتعذيبه و حتّى بتصفيته بكلّ راحة ضمير، و يصبح هؤلاء المؤدلجون عناصر في فرق وزارة الحبّ و السّعادة و مهمّتهم كيف يجبرون الجمهور على طاعة و حبّ الأخ الأكبر الّذي يراقب كلّ شيء كما في رواية"1984" لجورج أورويل الّذي كان معاصرا لجورج ويلز.
هذا العمى الأيديولوجي الّذي يجعل المصابين به ينتقون من يعتبرونهم ضحايا و يشترطون على من يمكنه أن يتضامن معهم و يضعون شروطا كأن لا يكون مناهضا صريحا لانقلاب واضح و صريح و أن لا يذكر سيّدهم من كان وراء مظلمتهم بسوء، هؤلاء في النّهاية"تيّاسة" كلّ نظام و فطرياته و نهايتهم لن تكون أفضل من الحصان "بوكس" في مزرعة الحيوان الّذي انتهى به الأمر بعد جهد المديح و العمل لصالح الطّاغية المنقلب على الثّورة "نابليون"، بأن سيق إلى المسلخ بعد استهلاكه و ربّما ستكون آخر كلماته: "عاشت مزرعة الحيوان".