تتوالى الأحداث في الأيام الأخيرة وتتسابق على صفحات التواصل الاجتماعي .الواحد منها يشطب الآخر أو يلغيه أو يضعه في الهامش لأن ذاكرة الجمهور قصيرة وأنفاسه كثيرا ما تضيق بالفراغ وانعدام الحدث وهو الذي يقضي وقته وراء شاشات الهواتف الذكية يتصيد الأخبار ليستهلكها ويوزعها ويعلق عليها بشكل سريع سطحي . وتتوزع هذه الأحداث بين ما يهم حياة الناس و ما لا يعنيهم مباشرة . فبين أخبار انقطاع الماء والكهرباء التي استنفدت طاقتها فلم تعد تستأثر بالاهتمام الذي كان لها في أول الأزمة تأتي الأحكام الصادرة عن محكمة التعقيب في قضية التآمر وفي نفس اليوم تقريبا يتم إيقاف الصحفي محمد اليوسفي وما يكاد الناس يفرغون من تحليل الوثيقة المسربة عن النيابة العمومية المتضمنة للاتهامات الموجهة للصحفي و التي على أساسها فتح التحقيق بشأنه حتى خرجت علينا وثيقة أخرى ذات طابع جنسي فيها متورطون مزعومون في قضايا لواط وتصوير لحالات جنسية وابتزاز في محل أعد للغرض في " البحيرة " .
ولا نظن أن هذا الطابع الجنسي وحده هو الذي مكنها من سرعة الانتشار اذ أن أخبار الفضائح الجنسية تملأ صفحات جرائد الإثارة وأوراق صحافة المجاري .اذ يتضاعف تأثيرها وسرعة انتشارها عندما تعني شخصيات عامة وخاصة عندما تتصل بفاعلين سياسيين . هنا يختلط وهم العفة والطهورية بتصفية الحسابات السياسية. وتختلط الشماتة بالانتقام . ويتساءل البعض عن توقيت نشر هذا الوثيقة وعن صلتها بالأزمات الحياتية التي تعيشها البلاد .
لا يعنينا هنا من نشر الوثيقة تدقيقا ولكن من شبه الأكيد ان التوقيت ليس صدفة وأنه من غير المستبعد أن يكون لهذا التوقيت أبعاد مبيّتة وأغراض سياسية دفينة وان كان نشر وثائق التحقيق قد صار عملة رائجة . فقد تكون وراء النشر جهات مختلفة لها مصلحة في نشرها فمن له مصلحة في نشر هذه الوثيقة في هذا التوقيت بالذات ؟ وهل تقف جهات رسمية وراء ذلك وهل هي سياسة الإلهاء وتوجيه اهتمام الجمهور بعيدا عن قضاياه الأساسية كما ذهبت الى ذلك عديد التحاليل ؟
لا ندري على وجه التحديد من يختفى وراء عملية التسريب وأغراضه ولكن التوقيت مريب فعلا ويدفعنا الى الشك في نواياها فمن غير المستبعد أن يكون للوثيقة علاقة بسياسة الإلهاء نظرا لوقوعها بعد حدثين هزا الرأي العام وهما كما ذكرنا قرار محكمة التعقيب وإيقاف اليوسفي وما تبع ذلك من هجوم على النخبة من صفحات لا تخفي ولاءها للسلطة مما يجعل فرضية سياسة الإلهاء لها بعض المصداقية . و سياسة الإلهاء هي من سمات الدول التي يسميها " الان دونو" "الدولة التافهة " وهل نحن بعيدون جدا في بلادنا العربية عن هذه الدولة ؟
إن الدولة التافهة” كما يصفها "دونو ” في كتابه " نظام التفاهة " تلتجئ بشكل مكثف الى تقنية الإلهاء التي تستخدمها لأبعاد اهتمام الناس عن المسائل الحساسة. من خلال وضع قضية تافهة في واجهة الحدث ، إذ تشتت الدولة انتباه مواطنيها بأمور لا تشكل تهديدًا فعليًا لحياتهم، لكنها في المقابل تحجب الانتباه عن الأزمات المعيشية الحقيقية .مع العلم إن أفكار إريك فروم شكّلت في الواقع الجذور الفلسفية والنفسية التي مهدت لظهور هذا المفهوم من خلال مؤلفاته ومنها خاصة " المجتمع السليم ".
وفي هذا الصدد ليس هناك اكثر انتشارا من القضايا الجنسية او المالية التي تعني الشخصيات العامة لتغيير مسار الانتباه فهي من اكثر القضايا التي تجمع الشتات وتستدعي العام والخاص وتحرك المشاعر والغرائز " وتهيج الإثارة المفرطة أو تصنع "السخونة " التي توفرها الفضيحة الموثقة.
الفضيحة تطيح برؤوس المتنفذين
لن ننكر هنا أن للظاهرة بعض من الإفادة لأن بعض الفضائح جعلت كثيرا من السياسيين وأصحاب النفود والشخصيات العامة في الدول الديمقراطية )هؤلاء حياتهم الشخصية ليست ملكا لهم ( محل تحقيق بوضع الكثير من المتنفذين في موقع الجاني عند تفاعل الجمهور مع " سقطاتهم الأخلاقية" . التي تتجاوز الطابع الشخصي لترتبط بجرائم المتاجرة بالجنس أو استغلال القاصرات أو الاغتصاب والتحرش وقد تمثّل فضيحة أبستين أشهرها في المدة الأخيرة .فقد أسقطت هذه الفضيحة كثيرا من الرؤوس في عالم السياسة والفن والثقافة ومنهم مدير معهد العالم العربي في باريس بعد فتح النيابة العامة الفرنسية تحقيقا أوليا بحق جاك لانج مدير المعهد وابنته كارولين للاشتباه في تحايل ضريبي بعد نشر وزارة العدل الأمريكية لدفعة ثانية من وثائق إبستين مما أجبر لانج على الاستقالة . كما أجبرت قبل ذلك الفضيحة الجنسية للرئيس بيل كلينتون على الوقوف أمام لجنة بالكونغرس للاعتراف باستغلال متربصة لديه جنسيا .كما لا ننسى تلك الفضيحة التي أوقعت بالمدير العام لصندوق النقد الدولي تروستكان (Dominique Strauss-Kahn ) وقضت على مستقبله السياسي وهو الذي كان يستعد لتقديم ترشحه للانتخابات الرئاسية في فرنسا . وقليلا ما تنكشف هذه السقطات في بلداننا العربية نظرا لتمتع الشخصيات العامة بالحصانة التي توفرها السلطة والإعلام التابع لها أو المتوجس من وقوعه تحت طائل قانون زجري يمنع حرية الاستقصاء والتعبير أما البرلمان فلا حول ولا قوة له في مقاومة الفساد . و في البلدان الديمقراطية تقف وراء كشف هذه الجرائم الصحافة الاستقصائية أو النيابة المستقلة أو السلطتان التنفيذية والقضائية كما هو الحال في قضية إبستين فقد أذنت وزارة العدل الأمريكية بناء على قانون الشفافية الذي أقره الكونغرس بعد "انتحار " إبستين في السجن بنشر بعض الوثائق المرتبطة بالجرائم التي ارتكبها .
الفضيحة من صنع المخابرات وأجهزة الدولة
ولكن الفضيحة قد لا يكون لها هذا الجانب الإيجابي حين تتحول الى فضائح موضبة من قبل أجهزة الاستخبار في دول الاستبداد سواء كانت جنسية أو مالية وكثيرا ما تتصل الواحدة بالأخرى . وعادة ما تستغل هذه الفضائح سواء كانت حقيقة أو مزعومة و مفتعلة لأغراض ذات طابع سياسي :
- تستعملها السلطة لمحاربة معارضيها وهو نوع من "الاغتيال المعنوي" الذي تُستخدم أحيانا كأداة لمحاربة المعارضين وتشويه سمعتهم العامة. وتهدف هذه الاستراتيجية بشكل أساسي إلى تحويل انتباه الرأي العام عن القضايا السياسية أو الفكرية، وتركيزه على الجوانب الأخلاقية والشخصية للشخص أو الأشخاص المستهدفين. وتشير القراءات التاريخية لفترة حكم زين العابدين بن علي إلى لجوء النظام آنذاك إلى أساليب "التشويه الأخلاقي" وفبركة القضايا الشخصية كأداة سياسية لضرب المعارضين والنقابيين والحد من فاعليتهم وتأليب الرأي العام ضدهم. مثل تلك القضية التي ألصقها بعضو من المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل وهي قضية زنا ملفقة أو كقضية اللواط التي حاكها ضد أحد الوجوه البارزة في حركة النهضة وهو موقوف في يد البوليس السياسي .
- كما تُستخدم الفضائح الجنسية في كثير من الأحيان كأداة في صراع الأجنحة داخل الأنظمة السياسية المغلقة لتصفية الحسابات وتغيير موازين القوى داخلها . ويختار توقيتها بشكل دقيق لإزاحة خصوم سياسيين أو إضعاف نفوذ تيار معين داخل جهاز الدولة أو في صفوف الحزب الحاكم.
- أما الحالة الثالثة من" الفضائح" المزعومة أو الحقيقة فهي ذات طابع جنسي ومالي وتستخدم لتشويه النخبة من قبل الأنظمة الشعبوية وتستهدف عادة فاعلين مدنيين في جمعيات ومنظمات وازنة قد لا يكون لها علاقة مباشرة بالمعارضة ولكنها تمثل وجها من وجوه الفعل المدني المتحرر من ربقة السلطة . ففي الأنظمة الشعبوية تستشري استراتيجية سياسية محورية تقوم على تقسيم المجتمع إلى فئتين متناقضتين: " أخيار وأشرار : الشعب النقي" في مواجهة "النخبة الفاسدة". وتُستخدم هذه الآلية الأخلاقية لتجريد أصحاب الراي الحر من مصداقيتهم وبناء قاعدة جماهيرية شعوبية قائمة على الكراهية والحسد والتشفي وتلجأ السلطة الشعبوية في تونس في السنوات الأخيرة الى تغذية هذا الأسلوب فمن اتهام قاضية بالزنا الى مهاجمة . النخبة " فهي " تهوى البذخ وتعقد اجتماعاتها في النزل من فئة 5 نجوم بعد أن تلقيها أموالا من الخارج ".
ولا نبرئ المعارضة من استعمال هذا الأسلوب الفضائحي في مواجهة السلطة الحاكمة . ففي قضية "اللواط " الحالية المزعومة " استغلت وجوه من المعارضة الوثيقة للتعريض بفاعل سياسي ومحام قريب من السلطة وفنان له صلة بالتطبيع مع إسرائيل أو بشخص في ارتباط عائلي برئيس حزب سياسي مناصر ل 25 جويلية مع نشر صورهم على نطاق واسع دون ادنى احترام لقرينة البراءة . ولو جردنا الفضيحة من هذا الطابع العام لما بقي لها من تأثير يذكر . فمكيافال يسكن أدمغة السياسيين جميعا سلطة ومعارضة وان بنسب متفاوتة ولا مجال مع هذا أو ذاك للحديث عن الترفع عن صغائر الأمور فالأنظمة المستبدة تحاربها المعارضة بأسلحتها حتى وان كانت تستبيح أعراض الناس . فلا مجال هنا لافتعال العفة مع من لا أخلاق له في اعتقاد من ينخرطون في محاربة أعدائهم .
لا شك أن الوثيقة المتضمنة لجرائم مزعومة من قبل مجموعة من الأشخاص لا تدين أحدا لأنها جزء من تحقيق لا يثبت تورط زيد أو عمرو في جريمة يعاقب عليها القانون فالمتهم بريء الى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة . ولكن شبهة تحويل انتباه الجمهور بوضع شخصيات عامة في مرمى سهام الجميع تبقى قائمة في ظل مجتمع غارق في محنه اليومية فاقد تماما لثقته في الدولة أو في القضاء والعدالة . وهو في كل الحالات قضاء تتحكم فيه السلطة نيابة وتحقيقا وقضاء جالسا . فقد صارت خطاباتها الرسمية في السنوات الأخيرة تحكم على معارضيها قبل أن يقول القضاء كلمته في شانهم " فمن برأهم صار منهم " واذا ما قال القضاء كلمته فلتتطابق تماما مع راي السلطة . كل بريء صار مدانا في راي الجميع جمهورا وسلطة ( في مجتمع "حرب الكل ضد الكل" مجتمع مريض بنوازعه العدوانية وبوقوعه في براثن سلطة لا تقل عنه عدوانية ( الى أن تثبت براءته وقد لا تأتي أبدا . نعم قد لا تأتي البراءة أبدا في ظل تلفيق القضايا وإخراجها في ثوب قضائي بحسب منظمات حقوق الإنسان . فما الذي بقي من المثل الشعبي الشهير" الحبس كذاب والحي يروح " في ظل وفاة كثير من المساجين في الأيام الأخيرة بفعل الظروف السجنية في هذه الحرارة القاتلة ..إلا اذا كانت العودة ذهابا الى النهاية المحتومة حيث يتساوى الجميع في عدل الرحمان؟.