أكلت بنيك أكل "الضبّ"

لم يتعرّض حيوان إلى الظّلم و الحيف مثلما تعرّض إليه الحمار، هو ضحيّة للسّرديات الكاذبة الّتي جعلته رمزا للغباء و البلادة و الجهالة يستعمل اسمه أو صورته للشّتم و القدح و الذمّ و النّيل من آدمية الإنسان.

قد يغضب عليك أحدهم أو لا يعجبه رأيك أو يخالفك في موقف أو فيما تفكّر فيسارع باستعمال ذلك الوصم أو الالتجاء إلى تلك الابتسامات الصّفراء الغبيّة السّمجة.

قد يتعلّق الأمر بموقف إنساني متضامن مع مساجين رأي يحشرون في غرف ضيقة أو زنازين كما في علب السردين في هذا الحرّ الشديد و بعضهم قد تجاوز سنّ الثّمانين.

أو برأي ناقد لسلطة تخلّت عن مسؤولياتها ليكون تركيزها على تأمين استمرارها في التسلّط، لنعيش حقبة لم نعش أسوأ منها مادّيا و معنويّا.

أو ما يعتبرونه مسّا من قداسة من لا يمسّ و لا يأتيه الباطل من بين يديه و من خلفه و كأنّك سببت آلهتهم فيهجمون عليك كالضّباع و قد يكفّروك أو يخوّنوك و يهتكون عرضك و يحلّون دمك.

الغريب أنّ من يلجؤون إلى استعمال وصم الحمار لشتم المخالفين، هؤلاء الموتورون المتبلّدون ،لا يعلمون شيئا عن صفات الحمار و الّتي أطنب في وصفها الجاحظ في كتابه"الحيوان"، فمن سماته الذّكاء و الهداية و السّلوك السّليم عند الأذى.

الحمار ذكيّ جدّا و له ذاكرة طويلة المدى و باستطاعته أن يتذكّر الأماكن و الأشخاص و الحيوانات الأخرى، له حاسّة شمّ قويّة و سمع أقوى و هو يستعمل لرصد الزلازل، هو أليف، احتماعي ، حسّاس، وفيّ و محبّ مخلص يحزن لفراق صاحبه، و الأهمّ من كلّ ذلك أنّه يمتلك ملكة يفتقدها من يلجؤون إلى وصف الآخرين بالأحمرة، فهو قادر على حلّ المشاكل المعقّدة و اتّخاذ القرارات بناء على تقييم المخاطر، بمعنى أنّ له قدرة على التّفاعل الادراكي و الشّعوري مع تقدير المواقف، فليت لنا حمارا حكيما مثل مرجان في ضيعة محروس عوضا عن نابليون في مزرعة الحيوان، ربّما حينها كنّا نتفادى هذه الوضعية المزريّة الرثّة الّتي نعيشها.

و في تقديري في خصوص استحضار الصّور الرّمزية المعبّرة عن الغباء و الجهالة و البلادة في الردّ على المخالفين قصد شتمهم ،كان من الأجدر الالتجاء إلى صورهم الشخصية فهي الأكثر تعبيرا، و إن تعذّر ذلك باعتبار بعضهم روبوتات فيمكن الالتجاء إلى صور ثلاث لا رابعة لها ، الدّيناصور باعتباره انقرض و لم يحافظ على نوعه، أي أنّه لم يتكيّف و لم ينجح في صراع البقاء و ربّما دمّر نفسه بنفسه، ثمّ التّمساح كمثال على حالة البلادة و انعدام الإحساس و التبلّد الشّعوري و التوحّش.

و بين الدّيناصور و التّمساح يقف الضبّ تائها بين المنزلتين، فأبا الحسل من شدّة غبائه فهو يتيه بمجرّد الخروج من جحره و هو الوحيد الّذي يجعل له فتحة واحدة فلا توجد أخريات للتّهوية أو للتّمويه على الأعداء، و هو يلتصق بالأرض و يتخشّب عند شعوره بالخطر و أكثر من ذلك أنّه يأكل حساله حين يجوع حتّى يشبع كما ذكر ذلك الجاحظ في كتابه.

و الغريب أنّ واقعة وحيدة لأرنب التجأت إليه من ثعلب افتكّ لها ثمرة فحكم من جحره و هو شبه نائم، قد حوّلته إلى حكيم ضيعة محروس و حاكمها الأوحد و الفضل لنمرود و ثعلوب و ثعلوبة و نسنوسة و سحرورة و ضباع الغابات المجاورة و نابوليونات مزارع الحيوان المختلفة و خصوصا نتيجة لغباء أرنوبة و بعبع و كوكو و عدم استجابتهم لنداءات الحكمة الصّادرة من مرجان.

اذا كانت أهمّ طباع الحمار هي الذّكاء و الصّبر و القوّة و العمل بكلّ تفان و الوفاء، فإنّ الضبّ سيمته الخمول و التّيه و الحيرة و الغباء. قالت العرب قديما: أبله من ضبّ و أحير من ضبّ و أضلّ من ضبّ و أعقّ من ضبّ .

و قال الشّاعر:

"أكلت بنيك أكل الضبّ حتّى تركت بنيك ليس لهم عديد"

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات