في خضم أزمة ثقة حادة تعصف بعلاقة المواطن التونسي بالمرفق العام تحولت قطرة الماء من حق طبيعي إلى سلعة تخضع لمنطق السوق والمضاربة. الهروب الجماعي من مياه الشبكة العمومية لم يكن مجرد ترف استهلاكي بل نتاج تدهور ملموس في الخصائص الحسية والكيميائية لماء الحنفية مما دفع بملايين التونسيين نحو رفوف المتاجر بحثا عن أمان صحي معبأ في قوارير بلاستيكية.
ماء الحنفية (السبالة):
غير أن هذا اللجوء الاضطراري أسقط المستهلك في شباك تضليل تسويقي متقن يخلط ببراعة بين مسميات قانونية وجيولوجية متباينة لتمرير مياه عادية بأسعار مضاعفة مستغلا غفلة الغالبية عن الفوارق الدقيقة بين ماء المائدة وماء المنبع والماء المعدني.
ماء الحنفية الذي توزعه الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه يمثل الحزام الأدنى للأمن المائي وهو مزيج من مياه السدود السطحية والمائدة الجوفية يخضع لمعالجات كيميائية مكثفة أبرزها "الكلورة" لضمان خلوه من البكتيريا الفتاكة. هذا التعقيم البيولوجي الصارم الذي تدافع عنه مؤسسات الدولة يقابله عجز فادح عن تصفية الرواسب الكيميائية الدقيقة والمخلفات الزراعية وتآكل شبكات التوزيع المتقادمة مما يفرز سائلا يفتقد لأبسط مقومات الاستساغة الذوقية ويثير توجسا مشروعا حول تراكم السموم البطيئة في أجساد المستهلكين ويدفعهم نحو خيارات التعبئة الصناعية.
ماء المائدة:
أمام هذا النفور برز ماء المائدة كبديل تجاري يغزو الأسواق بشراسة وهو في واقعه القانوني والعلمي مجرد مياه جوفية أو سطحية خضعت لتدخلات صناعية مكثفة لتنقيتها وجعلها صالحة للشرب وفق المعايير التي تضبطها وزارتا الصحة والتجارة. هذه الفئة لا ترتقي بأي حال لمرتبة النقاء الطبيعي إذ تفتقد للاستقرار الكيميائي وتتغير تركيبتها باختلاف المواسم ومصادر الضخ ورغم سلامتها الظاهرية إلا أنها تظل أقرب إلى نسخة محسنة و"مفلترة"من ماء الحنفية تباع للمستهلك تحت أغطية بصرية وومضات إشهارية توحي زورا بانتمائها للطبيعة البكر وتستنزف ميزانية المواطن المذعور.
ماء المنبع الطبيعي:
في مرتبة جيولوجية أعلى يتموقع ماء المنبع الطبيعي الذي يتدفق من طبقات أرضية محمية ويتميز بقابليته للاستهلاك البشري المباشر دون الخضوع لأي تدخل كيميائي لتنقيته. تعبأ هذه المياه وجوبا في منبعها الأصلي وتحتفظ بعذوبتها الفطرية لكنها تشترك مع مياه المائدة في نقطة جوهرية وحاسمة تتمثل في تذبذب تركيبتها المعدنية وتأثرها المباشر بمعدلات التساقطات وتقلبات المناخ مما ينفي عنها صفة الثبات ويجعلها مجرد خيار آمن للارتواء اليومي لا يمتلك أي خصائص علاجية أو تركيبة مستقرة يعتد بها طبيا.
الماء المعدني الطبيعي:
أما التاج الحقيقي لهذه التراتبية فيستقر على رأس الماء المعدني الطبيعي الذي يخضع لصرامة قانونية وعلمية يديرها الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه. هذا الصنف ينبع من أعماق سحيقة ومغلقة جيولوجيا تعزله عن أي تلوث بشري محتفظا بتركيبة معدنية شديدة الثبات لا تتغير بمرور السنين ولا تتأثر بالعوامل المناخية السطحية. هذا الثبات الكيميائي المقترن بفوائد صحية مثبتة يمنحه هوية استشفائية فريدة تمنع منعا باتا أي تدخل صناعي لتعديل مكوناته ليظل نقيا تماما كما أخرجته الأرض وهو ما يجعله الخيار الأرقى والأكثر موثوقية في هرم المياه المعبأة.
إن تشريح هذه الفروق الدقيقة يفضح حجم الاستغفال الممارس على رفوف العرض حيث تتشابه القوارير وتتداخل الألوان بينما تختبئ الحقيقة في خطوط رفيعة طبعت على الهامش هربا من عين الرقيب. انسحاب الدولة التدريجي من دورها الأصلي في توفير ماء عمومي نقي ومستساغ أفسح المجال لشركات التعبئة "لتسليع" العطش وتكديس الأرباح عبر اللعب على وتر الخوف من التلوث. فهل تحول الحق البديهي في الحياة إلى امتياز طبقي يحدده نوع السائل المعبأ في البلاستيك أم أن وعي المستهلك بحقوقه سيعيد صياغة مفهوم" السيادة المائية "لتشمل الجميع دون استثناء؟