خريف المغامرات الكبرى: حين تلتقي حمى الصناديق بـ"النيـنيو الفائق" لتهديد استقرار المتوسط

ندخل في خريف عام 2026 والمنطقة بأسرها تقف على حافة منعطف تاريخي تتشابك فيه خطوط السياسة والأمن وبصمات التغير المناخي بشكل غير مسبوق.

إن المتأمل في الخارطة الجيوسياسية الحالية يدرك أن حوض البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً منطقتنا المغاربية، يستعد لاستقبال موجات ارتدادية قادمة من بؤر عدم الاستقرار الدولي، حيث باتت مصائر قادة كبار معلقة بفتيل صناديق الاقتراع وبصراعات الوجود الشخصي والسياسي.

تبدأ القصة من تل أبيب؛ ففي السابع والعشرين من أكتوبر المقبل، يخوض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتخابات تشريعية لم تعد مجرد جولة سياسية، بل تحولت إلى معركة بقاء شخصي وقضائي حاسمة. يدرك نتنياهو أن خسارة السلطة تعني فتح أبواب المحاكم ومواجهة ملفات جنائية معلقة، الأمر الذي يدفع العديد من المراقبين إلى التحذير من مغبة اندفاعه نحو خيارات تصعيدية غير مدروس.

إن عقيدة "إبقاء الجبهات مشتعلة" لخلط الأوراق وتمديد حالة الطوارئ القومية قد تتجاوز هذه المرة الحدود التقليدية، حيث يلوح في أفق التحليلات الاستراتيجية احتمال اللجوء إلى خيارات الردع غير التقليدي أو الورقة النووية لإحداث صدمة كبرى تجبر العالم على إعادة ترتيب أولوياته، وتضمن له البقاء في صدارة المشهد.

هذا المأزق الإسرائيلي لا يتحرك في فراغ، بل يتزامن مع انشغال الشريك الأمريكي الأكبر ومخاوفه الخاصة. ففي الثالث من نوفمبر، تخوض إدارة دونالد ترامب اختبار انتخابات التجديد النصفي (Midterms) وسط مؤشرات قوية على احتمال فقدان السيطرة على مجلس النواب وتصدع لافت في القاعدة المحافظة في مجلس الشيوخ بين التيار المخلص لـ "MAGA" والمحافظين التقليديين في ولايات مفصلية ككاليفورنيا وميشيغان و ايوا و تكساس و السكا و مين و كارولاينا الشمالية…

أمام هذا الاحتمال بظهور كونغرس ديمقراطي ومحاصرو معادية لإدارة الرئيس ترامب، يرى العديد من المحللين أن سيناريو التهدئة هو الأقل ترجيحاً، وأن فرضية "الهروب إلى الأمام" من طرف ترامب هي السلوك السياسي الأقرب للواقع.

في هذا السياق، يتخوف مراقبون من لجوء الإدارة الأمريكية إلى افتعال أو استغلال أزمة خارجية كبرى — تحاكي في أبعادها السياسية "حادث مرافئ بيرل هاربر" الذي تسبب في دخول الولايات المتجددة في الحرب العالمية الثانية أو "حادث خليج تونكين" الذي شرعن حرب فيتنام — لخلق حالة طوارئ أمنية وقومية قصوى داخل الولايات المتحدة.

مثل هذا الحدث المصيري سيتيح لمؤسسة الرئاسة تجاوز الأغلبية البرلمانية المعارضة، وحشد الشارع الأمريكي خلف راية "مواجهة التهديد الخارجي"، مما يجعل سيناريو الانفلات والتصعيد في السياسة الخارجية الأمريكية، وتحديداً عبر تفجير الأوضاع في منطقة الخليج العربي، أرجح بكثير من أي مساعٍ للتهدئة.

هذا الانفلات المتوقع في منطقة الخليج وانشغال إدارة ترامب الكامل باحتواء تداعياته، سيخلق فراغاً استراتيجياً قاتلاً في المنطقة العربية للبحر المتوسط عامة وشمال إفريقيا بالخصوص.

هذا الفراغ سيمثل الضوء الأخضر لتدخل قوى متوسطة في الصراع الليبي لإعادة تشكيل خرائط النفوذ دون رقيب أمريكي.

ستجد بعض الأطراف الدولية والإقليمية في هذا التوقيت فرصة مثالية لتشديد الحصار الجيوسياسي على الجزائر، مستغلة ما راكمه النظام الجزائري من خلافات ديبلوماسية حادة مع العديد من العواصم الفاعلة على الساحة الدولية.

في ظل هذا الحصار والتململ الداخلي، ترى بعض القوى الدولية أن سيناريو صعود التيار الإسلامي إلى سدة الحكم في الجزائر — سواء عبر فوضى غير مسيطر عليها أو ترتيبات انتقالية فرضها انخرام التوازنات الداخلية — قد لا يكون تهديداً، بل فرصة ذهبية لفرض نفوذها المباشر على مصدر ضخم للمحروقات.

بالنسبة للغرب وقوى متوسطة طامحة، فإن السيطرة غير المباشرة على الغاز والنفط الجزائري عبر سلطة جديدة تمثل البديل الاستراتيجي الأمثل للمصادر الروسية المقطوعة والمصادر الخليجية المهددة بالانفلات العسكري، مما يضع السيادة الجزائرية وثرواتها في عين العاصفة الدولية.

هذه الموجات الارتدادية تنداح سريعاً لتصطدم بتوازنات جزائرية داخلية مضطربة أساساً. فالجزائر تواجه انخراماً متزايداً؛ حيث يتزامن الترقب الشعبي المكبوت وحالة الحراك الشبابي الذي ينتظر ساعة الصفر، مع تململ صامت بدأ يطفو على السطح في صفوف الجيش الجزائري. هذا التوتر العسكري الداخلي يغذيه شعور متنامٍ بالإحباط جراء التداعيات الدبلوماسية للقرار الأممي رقم 2797، الذي اعتبره مراقبون بمثابة هزيمة استراتيجية للنظام، حيث أفقد المؤسسة العسكرية ورقة جوهرية لشرعنة قبضتها على أجهزة الدولة، وتبرير ميزانيات التسلح الضخمة التي لطالما ارتبطت تاريخياً بعمولات ضخمة مستفيدة للقيادات العليا، مما يجعل تصدير الأزمة عبر افتعال صراع حول "الصحراء الشرقية" مع المغرب ملجأً أخيراً للمؤسسة العسكرية.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه القوى الكبرى بصراعاتها، تأتي الطبيعة لتفرز عامل ضغط استثنائي، حيث تؤكد التقارير العلمية أننا نعيش حالياً ذروة ظاهرة "النينيو الفائق"، وهي الأشد منذ عقود.

هذا المتغير البيئي يترجم ميدانياً في صورة جفاف ممتد وقاحل في عمق الساحل الإفريقي، يقابله تقلبات جوية حادة وأمطار طوفانية فجئية على السواحل المغاربية. هذا التغير المناخي ليس مجرد أرقام، بل هو وقود حقيقي لتسريع وتيرة الهجرة غير النظامية نحو الشمال، وتهديد مباشر للأمن الغذائي جراء اشتعال أسعار الحبوب عالمياً.

الخاتمة:

تونس في مهب العاصفة.. من التحصين الروتيني إلى الاستباق المنهجي في محصلة هذا المشهد المركب، تجد الجمهورية التونسية نفسها في موقع يتطلب أعلى درجات اليقظة الاستراتيجية؛ إذ تقف البلاد اليوم في مهب الموجات الارتدادية للأزمات الدولية والإقليمية المتشابكة، بدءاً من تقلبات أسعار الطاقة والغذاء العالمية، وصولاً إلى الضغوط الأمنية والمناخية العابرة للحدود.

ولم يعد تأمين الاستقرار الوطني قابلاً للإدارة بأدوات العمل الروتيني، بل يفرض تبني رؤية منهجية حازمة ترتكز على محاور ثلاثة للتحوط والاستباق:

تدعيم الجبهة الداخلية: يمثل تماسك النسيج المجتمعي وتحقيق السلم الأهلي حجر الزاوية لكل جهد دفاعي؛ فالتحصين الحقيقي يبدأ من الداخل عبر تعزيز التضامن الوطني والالتفاف حول ثوابت الدولة لمواجهة التحديات الراهنة بصوت واحد.

برنامج إصلاحات لاستقطاب التمويل والاستثمار: الشروع الفوري في إصلاحات هيكلية واقتصادية ملموسة تهدف إلى تحسين مناخ الأعمال وتوفير بيئة جاذبة للاستثمارات الخارجية المباشرة والتمويلات التنموية. يمثل هذا التوجه البديل الآمن والاستراتيجي الذي يغني البلاد عن اللجوء إلى التداين الخارجي المكلف وذو نسب الفائدة المرتفعة، مما يحمي السيادة المالية للدولة والأجيال القادمة.

خطة دبلوماسية متجددة ومنفتحة: صياغة تحرك دبلوماسي أكثر حركية وانفتاحاً يعيد الحرارة والزخم إلى العلاقات مع شركاء تونس التقليديين، مع العمل على تحسين التموقع التونسي على الساحة الدولية. يتطلب ذلك تفعيلاً ذكياً وأكثر نجاعة للدبلوماسية الاقتصادية في الأطر الثنائية، والاندماج الفاعل في الفضاءات الإقليمية (الأوروبية والمغاربية والإفريقية والمتوسطية)، ومزيد الدفاع عن مصالح تونس الحيوية وأولوياتها داخل المنظمات متعددة الأطراف.

إن القادم من الأيام لا يرحم المنتظرين؛ وقدر تونس في هذا الخريف ليس الانكفاء، بل التسلح بوعي استراتيجي يقظ وبوصلة منهجية هادئة قادرة على تحويل المخاطر الجسيمة إلى فرص حقيقية لتحصين مناعة الدولة واقتصادها الوطني.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات