"نفس"

كنت أتمنّى لو كنت متواجدا في ساحة" الباساج " و سرت في اتّجاه شارع الحرّية في مسيرة "نفس" في جولتها الثّالثة ،لكن بعض المشاغل اليومية عطّلتني ليكون هاتف من زوجتي حاسما لأتّخذ قراري بمتابعتها عبر شاشة الهاتف، زوجتي كانت دوما تعارض معارضتي لنظام لا يرحم معارضيه و تعتقد كما يعتقد جزء من أهلي و أصحابي المقرّبين بأنّ مواجهة هذا العبث هو نوع من العبث أو كمن يحترق ليضيء في محيط من العميان، و بعبارة أخرى على من تقرأ زبورك يا داوود ؟ و لمن تقرع أجراسك يا همنغواي؟

كنت في رحلة بحث عن قارورات ماء معدني في حرّ قائظ حينما هاتفتني زوجتي و دعتني لأن أفكّر في ملء خزّان سيّارتي في ظلّ أزمة شحّ في الوقود تلوح في الأفق، أزمة جديدة في انتظار أخرى، و طوابير جديدة تضاف إلى أخرى.

بقدر محاولتي التكيّف مع مختلف الأزمات فإنّني كنت أتمنّع و أقرف من الوقوف في الطّوابير، أكرهها و أكره أكثر الانتظار ربّما لساعات لاقتناء حاجة مهما كانت، لذلك رأيت أنّ بعض اللّترات من الوقود المتوفّرة في خزّان سيّارتي ستكفيني لمهمّاتي في مدينتي و لا داع للتوجّه نحو الحاضرة.

شاركت سابقا تقريبا في كلّ التّظاهرات المناهضة لانقلاب 25جويلية منذ وقوعه حينما كان يقودونها من هم موجودون في السّجون حاليا ، وحينما كان بعض من يعارضونه اليوم هم مؤيّدوه و عرّابوه ،قرابة التسعة عشر أو يزيد في أحداها على ما أذكر كانت هناك تظاهرتين أو ثلاثة في ساحات مختلفة بدون الخوض في أحجامها لأنّ الجميع يعلم من يستطيع أن يملأ الشّارع، و قد تفاءلت خيرا حينما شاهدت مسيرة "نفس" نشطت في ساحة واحدة و سارت في مسلك واحد و هي خطوة إيجابية في انتظار أن ينضج الحراك.

"نفس" كانت لا بدّ منها لتثبت المعارضة و السّياسة بصفة عامة بأنّها تتنفّس و مازالت حيّة في مجابهة سلطة إنجازها الوحيد إثبات أنّها تتنفّس و لا زالت كذلك على قيد الحياة.

إذ لا إنجاز يذكر لا لسلطة و لا لمعارضة، ليبقى المواطن يصارع وحيدا تقريبا من أجل أن يبقى حيّا، مصطفّا في طوابير تتعدّد و تزداد طولا، ليذوق كلّ أنواع الأزمات و كأنّ البلد تعرّض لحرب مدمّرة أو تعاقبت عليه كوارث طبيعيّة عظمى!

لم نتعرّض لحرب صريحة لكنّنا نعيش حالة احتراب حقيقيّة نرى آثارها على أرض الواقع و في الفضاء الافتراضي، دمار شامل في مختلف المجالات و الأشدّ من ذلك دمار الإنسان في كينونته و ماهيّته.

الجميع يختنق، السّلطة، المعارضة، المواطن و الوطن و الجميع يحتاج إلى نفس و مناخ لا تلوّثه غازات الكراهية و الحقد و التّباغض و الشّماتة ،و الجميع يحتاج إلى القطع مع الصّراعات الصّفرية و العدميّة و الفكر الإقصائي و التطلّع إلى قبول التنوّع و الاختلاف و كلّنا نحتاج الى التّحابب و التّعايش كما نحن دون ضرورة الذوبان في المختلف الآخر.

"نفس" كانت خطوة في الطّريق الصّحيح من أجل الإنعاش يجب أن تتبعها خطوات أخرى فالطّريق مازال طويلا ،شاقّا و مليئا بالعقبات.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات