الحوار مع الزنايدي ذكرني بحوار سابق مع قايد السبسي دخل به أولا إلى القصبة ثم إلى قرطاج إلى أن مات ميتة لم يحظ بها بورقيبة نفسه، وكأن بعض القوم يتآمرون -اليوم علينا مجددا- من أجل ارتكاب الشيء نفسه، كأننا لم نمرّ بما طرحوه علينا في غفلة أو بلاهة منا، وكأن حل السبسي أسفر على شيء من وعودهم الكاذبة. وكأن المنظومة نفسها لا تكلّ عن تقديم نفس الحل، بما يكشف عجزها عن الخروج عن الشيء المعتاد وعن تقديم شيء جديد.
صحيح أن الزنايدي لا ينحدر من نفس جغرافية الدولة البورقيبية والنوفمبرية، ولا هو كان من منظريها، لكن هذا ليس ضمانا في حد ذاته لأي شيء، كما أن خروجه الآن وهنا لا يمكن فهمه على أنه دليل على انشقاق في صفوف العائلة الدستورية، ولا هو يمكن اعتباره الوجه العاقل في مواجهة سفاهة عبير موسي. لأن غير ذلك لا يعدو أن يكون في اعتقادي تفكيرا داخل الصندوق القديم. مجرد عودة إلى حلول قديمة نجربها وتفشل التجربة، ثم نعود إليها مجددا.
إن خروج الزنايدي يحمل في طياته خطأين اثنين. الخطأ الأول، يتمثل في العودة إلى منجم الاستبداد الذي جُرب فوصل إلى طريق مسدود، ولسنا في حاجة للتذكير هنا بأن الزنايدي لم يتباعد عن الاستبداد النوفمبري بل كان في قلب الرحى، وزيرا دائما، محركا أو مسمارا لا فرق، ولم يسجل عليه أي نشاز في العزف المنفرد، ولم يدّخر يومها لهذا اليوم شيئا يُذكر له. أكثر من ذلك ها قد مر عقد ونصف على هروب المخلوع، وربما كان ذلك كافيا للتخلص من عقدة المخصيّ، إلا أن هذه الفترة على طولها لم تكْفِهِ لكي يعترف بأخطائه، ولا أخطاء المنظومة التي كان فيها، فماذا ادخر لهذا اليوم حتى يقدم نفسه للتصدّر؟ وكيف لمن لم يتغير في الأربعين الأولى أن يتغير وقد شارف على ختم الأربعين الثانية؟
الخطأ الثاني أن خروجه كان بمثابة الطَّرْق على نفس الباب والعودة إلى نفس الحل، بحثا عن الزعيم الذي نتوهم أنه يلتزم بضمان الخبز والسيرك، يقول الرومان. في شيء لا يختلف عن الاعتقاد الواهم في المهدي المنتظر الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا، في دعوة لاستقالة جماعية أو انتحار جماعي أو عودة لعصر الرق.
إن ظهور السبسي قد فشل، وسيفشل الحل الذي نتصوره في شخص. ومن باب العجز في التفكير البحث عن زعيم ونحن الآن في زمن الزعيم، في حين أن أشعة كل صباح تقول بأن الحل ليس هناك، وإنما في التوافق على قوانين اللعبة، وفي قلب ذلك الحرية، والتداول بواسطة آلية الديمقراطية التي تحمي الحريات، وتمنع احتكار السلطة، وتجعل الحاكم خاضعًا للقانون ولإرادة المواطنين. أما انتظار الزعيم، أيا كان اسمه أو انتماؤه، فليس إلا إعادة إنتاج للمشكلة نفسها بأسماء جديدة.