تأتي تصريحات راضية الجربي بمناسبة الذكرى السبعين لصدور مجلة الأحوال الشخصية لتفضح حالة من القلق المؤسساتي المزمن، حيث يبدو الاتحاد الوطني للمرأة التونسية كمن يحاول استنبات أزهار في تربة مالحة. إن قرع الجربي لطبول الفزع بشأن الزواج الشفاهي وما تسميه بالتطبيع مع الممارسات الفلكلورية ليس مجرد دفاع عن مكتسب مدني، بل هو إقرار ضمني بعجز الآليات القانونية القائمة عن ضبط إيقاع واقع اجتماعي بات يفرز بدائله الخاصة بعيداً عن أروقة المحاكم. نحن هنا أمام معضلة بنيوية، فهل تعكس هذه التحذيرات يقظة حقوقية، أم أنها تستر خلفها فشلاً ذريعاً للمنظمات في النفاذ إلى العمق الشعبي وإقناع الفئات الأكثر هشاشة بجدوى العقود المدنية؟
إن استدعاء النيابة العمومية وتشديد الرقابة على عدول الإشهاد هو ضرب من الهروب إلى الأمام، فهو تعويل ساذج على القبضة الأمنية لعلاج ظواهر سوسيولوجية مركبة تنبع من فقر مدقع، وتراجع منسوب الثقة في مؤسسات الدولة، وتضخم فاحش في تكاليف الزواج جعلت من الروابط غير الرسمية ملاذاً للهروب من طقوس باتت مستحيلة المنال. إن المطالبة بالزجر تظل حبراً على ورق ما لم تكن متبوعة بسياسات اجتماعية واقتصادية تنقذ المرأة من تبعات هذه العقود وتضمن لها حقوقها تحت سقف القانون، فبدلاً من ملاحقة العدول وتأثيم الممارسات، كان حرياً بالاتحاد صياغة استراتيجية تحمي جسد المرأة من تبعات التفكك لا الاكتفاء بإطلاق صيحات الفزع التي لا تزيد الواقع إلا تعقيداً.
أما الدعوة لمراجعة فصول مجلة الأحوال الشخصية، وتحديداً تلك المتعلقة بجدوى جلسات الصلح المتكلسة، فهي اعتراف متأخر ببرود القوالب القانونية أمام الوقائع المريرة. بيد أن هذا التوجه يثير غباراً كثيفاً، فهل ستؤدي هذه المراجعة إلى تحرير الأسرة من ربقة التقاليد القضائية، أم أنها ستفتح باباً للمساومة على مكتسبات ظلت لعقود خطاً أحمر؟ إن الانتقال من مرحلة الحماية إلى مرحلة المراجعة يقتضي جرأة فكرية تفتقدها المؤسسات التقليدية المرتهنة لإرث قدسي جعل من مجلة الأحوال الشخصية في نظر البعض عائقاً أمام أي تطوير حقيقي، بدلاً من أن تكون حامياً له.
تجد الجربي نفسها اليوم محاصرة بين مطالبة السلطة بالتدخل الزجري وبين حاجتها لتحديث المنظومة التي تدافع عنها، وهو تضارب يعكس أزمة تمثيل حادة. إن التركيز على قشور الظاهرة، كعقود الزواج وطقوس المهر، دون الغوص في تداعيات التآكل الأسري الاقتصادي، يكرس صورة الاتحاد ككيان بيروقراطي يعيش في برج عاجي، يترقب من الدولة أن تفعل ما عجز هو عن تحقيقه في الميدان.
فهل ستظل المرأة التونسية عالقة بين عرف ينهش حقوقها، وقانون بات يترنح بين الجمود والتآكل، ومنظمة لا تملك سوى لغة التحذير من كارثة لم تعد تلوح في الأفق فحسب، بل أصبحت تسكن البيوت؟