بمناسبة عيد ميلاد بورقيبة (2 )*

في خطابه عند ختمه دستور1959 : بورقيبة يشتم مؤسس البيت الحسيني ، فهل يختلف حكمه سياسيا عن حكم البايات؟

شهر جويلية محطّة مصيرية في حكم الأسرة الحسينية التّي حكمت الدولة التونسية مدّة 252 من 12 جويلية 1705 (1) يوم بويع مؤسّس هذه السّلالة حسين بن علي تركي بايا لإيّالة تونس الى 25 جويلية 1957 يوم أزاح المجلس القومي التّأسيسي الباي محمد الأمين باشا باي عن السلطة بقرار مركّب من عدّة قرارات ألغى بموجبها الملكية و أعلن الجمهورية و كلّف رئيس الحكومة الحبيب بورقيبة بمهام رئاسة الدولة على حالها الحاضر ريثما يدخل الدستور حيز التطبيق وأطلق عليه لقب رئيس الجمهورية التونسية علما أنّ هذا المجلس أحدث بالأمر العلي المؤرّخ في 29 ديسمبر 1955 لسنّ دستور للمملكة "يحدّد نظام السّلط ويسيّر مختلف دواليب و حقوق المواطنين و واجباتهم" .

بعد إتمام كتابة الدستور عقد هذا المجلس يوم 1جوان 1959 جلسة وصفت بالممتازة ختم في بدايتها رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة الدستور و إثر الختم خاطبه جلولي فارس رئيس المجلس بالقول: "فخامة الرّئيس هذا أمانة الشّعب عندك، فأنت له حافظ ، فاحفظه حفظك اللّه ، و أقم عليه أمرك و توكّل على اللّه ، إنّ الله يحبّ المتوكّلين" .

بعد كلمة رئيس المجلس تناول الكلمة الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية المكلّف بقرار من المجلس التّأسيسي و ألقى في الحاضرين خطابا تناول فيه" الفتنة الكبرى" أواخر الدولة المرادية وبعضا من تاريخ البلاد التونسية كما استعرض فيه من وجهة نظره ظروف تولي مؤسّس الأسرة الحسينية حسين بن علي تركي منصب رئاسة الدولة عام 1705 بصفته بايا للإيالة التونسية وقال عنه : " وفي البلاد التونسية عمد حسين بن علي - و من هو هذا ؟- قطعة حبل جاء بها واد، الى الاستيلاء على السلطة بعد تناحر و تقاتل... (2)

وهكذا هاجم الرّئيس الحبيب حسين بن علي مؤسّس البيت الحسيني مجرحا في انتمائه الى البلاد التونسية واصفا إيّاه" بقطعة حبل جاء بها واد" وهي عبارة يقصد بها الإنسان الذي لا يعرف له اصل والمجهول النسب والغريب عن ارض تونس كما اتهمه بصريح العبارة بالاستيلاء عمدا على السلطة وفي كل ذلك طعن في شرعية حكم البايات طيلة 252 عاما .

وبقطع النظر عن موقفنا من الحكم الملكي السلطاني وهو يكاد يمثل شكل السلطة الوحيد الذي عرفه العرب والمسلمون منذ معاوية بن أبي سفيان مؤسّس الدّولة الأموية وتولية ابنه يزيد السلطة فإننا سنبحث في هذا المقال عن مدى صحة الاتهامات التي وجهها بورقيبة الى حسين بن علي تركي ولو بشكل سريع استنادا الى أقوال المؤرخين قديمهم وحديثهم.

(1) هل فعلا حسين بن علي تركي ليس تونسيا و هو مجهول النسب؟

حسين بن علي تركي تونسيّ المولد وهو كورغلي أي وليد زواج مختلط بين أب تركي و أمّ تونسية أب عن جد. فأمّ حسين بن علي امرأة من مدينة الكاف و أبوه عثماني قدم الى تونس من جزيرة كريت حين كانت تابعة للدولة العثمانية وانضم الى الجيش التونسي و صار من كبار قادته .

وارسل الى مدينة الكاف لحمايتها و حفظ قلعتها فأقام بها و تزوّج بامرأة من عرش " الشّنانفة" ولدت له ابنه محمد و تزّوج بثانية من عرش" شارن" ( وهو من اعرق العروش في مدينة الكاف ) ولدت له ابنه حسين بن علي مؤسّس البيت الحسيني مع العلم أن بورقيبة كما روى هو نفسه في احد خطبه ليس من سكان تونس الأصليين من القبائل العربية او الامازيغية أو المختلطة بينهما أو السّود المستقرّين بالبلاد التونسية منذ قديم العصور بل ينحدر من عائلة تعود أصولها الى مدينة مصراطة وفي أهلها كثير من "الكراغلة" أبناء الجنود العثمانيين والإنكشارية الذين استوطنوا المدينة واختلطوا بسكانها ولقد سكن أجداد الحبيب بورقيبة الوافدين على تونس في حومة الطرابلسية الشهيرة في مدينة المنستير.

خلف حسين بن على والده في خدمة الجيش التونسي و شغل فيه مناصب عليا وأصبح من كبار قادته ومن أعيان الدولة التونسية وكان في خدمة آخر البايات المراديين المكنّى بمراد " بوبالة" المعروف بوحشيته و بهيامه بإسالة الدّماء دون أيّ موجب شرعي فهو البارز في قتل الأبرياء و التمثيل بجثثهم فلم ينج منه أعيان البلاد و علماؤها فاحتال عليه احد المقرّبين منه إبراهيم الشريف و قتله و وادعى أن ما قام به هو تكليف من السلطان العثماني حفظا لدماء المسلمين وخلفه في منصب باي إيّالة تونس وأبقى على الحسين بن علي في منصبه و قرّبه منه كما احسن السيرة مع الرّعية في بداية عهده بالسلطة .

لكن سرعان ما غيّر سيرته و اكثر من الجور و الاعتداء على أملاك الناس وارتكب خطأ فظيعا بأن دخل في حرب غير متوازنة مع عشّي مصطفى داي إيّالة الجزائر و كان حسين بن علي نصحه بعدم الإقدام عليها لكن تمسّك بقراره و غادر العاصمة في اتجاه الحدود مع الجزائر و شنّ الحرب وانهزم يوم 10 جويلية 1705 في موقعة الكاف الشهيرة وأسر .

مع أسر إبراهيم الشّريف حصل فراغ في رأس الدّولة كان سوف يؤدّي لا محالة الى الفوضى و الى الفتنة اذا لم يحسم امر الخلافة باتفاق العلماء و أعيان الدولة بتعيين من يخلف إبراهيم الشّريف و يتولّى أمر البلاد فاجتمع للغرض أهل الحلّ و العقد من العلماء وكبار الجند واعيان الحاضرة وبصفة عامة أعيان الدولة و البلاد وتفاوضوا و قرّروا مبايعة حسين بن علي بايا لإيّالة تونس.

هذا ما يكاد يجمع عليه المؤرّخون القدامى و المعاصرون تونسيين و غيرهم ممن كتبوا باللّسان العربي و باللّسان الفرنسي عن مبايعة حسين بن علي بايا لإيّالة تونس فهل يستقيم طعن بورقيبة في حكم الحسين بن علي باعتباره مستوليا على السلطة ؟

(2) هل يمكن الطعن في شرعية تسلم الحسين بن علي السلطة ؟

سنستعرض هنا بعضا من أقوال المؤرخين القدامى والمعاصرين :

أ) المؤرخون القدامى

ذكر ابن أبي الضياف في كتاب الاتحاف (3) أنّه لما ذاع في الحاضرة خبر هزيمة الجيش وأسر إبراهيم الشريف اجتمع "أهل الحل و العقد من العلماء و أكابر الجند و وجوه الحاضرة و تفاوضوا في البيعة لإمام وهي واجبة شرعا و عقلا و اتفقوا على مبايعة حسين بن على "لما يعلمون من حميد خلاله و حزمه" .

و ذكر صاحب الاتحاف انه لمّا علم حسين بن علي بهزيمة الكاف وأسر الشريف قرّر النجاة فلجأ الى زاوية الشّيخ ابي عبدالله حسين السّيجومي خارج الحاضرة فلحق به أهل الحل و العقد "و كثير من أهل الحاضرة" و طلبوا منه قبول البيعة فاصرّ على الرفض فالحّوا عليه وأكّدوا له ضرورة قبولها لمصلحة البلاد فقبلها فقدموا به الى مدينة تونس وتمّت له البيعة الأولى يوم 12 جويلية 1705 و قلّدوه أمر البلاد ثمّ جددوا له البيعة بعد أقلّ من شهر يوم 6اوت 1705 لمّا ظهرت بوادر غير مطمئنة من داي الجزائر عشّي مصطفى.

لا تختلف عن رواية ابن أبي الضّياف رواية محمد الصّغير بن يوسف فقد كتب (4) أن سكّان الحاضرة جزعوا لمّا علموا بهزيمة الجيش واسر الباي إبراهيم الشريف و خافوا من هجوم الجيش الغازي عليهم "و هم فوضى دون أمير يذبّ عليهم و يقوم بحاجاتهم" وأجمعوا على أن يعيّنوا أميرا يقلدونه أمرهم ليدافع عليهم ويحمي البلاد وأضاف أنّ أعيان الدولة و البلاد و أهل الحلّ و العقد اتّفقوا على "حسين بن علي" لما يعلمونه فيه من الخلال و الصفات التي توصله للملك و طلبوا أن يملّكوه عليهم".

و لا تختلف عن الرّوايتين السّابقتين رواية حسين خوجة فقد كتب (5) أنّ حسين بن علي "ولّي الإمارة باتفاق الجمهور من مدينة تونس و خاصتها و عامتها".

- قبل استعراض بعض روايات المؤرّخين المعاصرين نستعرض رواية "نيكولا بيرنجي" وهو تاجر فرنسي من مرسيليا كان مقيما في تونس زمن هذه الأحداث كتب عنها في مذكّراته بأنّه لمّا شاع في الحاضرة خبر هزيمة الجيش دون العلم بمصير إبراهيم الشريف اجتمع أعضاء المحلة و الديوان للتداول في مستقبل البلاد و ما يجب اتخاذه من قرارات و انتخبوا حسين بن علي بايا و انتخبوا معه دايا (6) : قدّم لهذه المذكّرات وعلّق عليها بول صبّاغ (7) و أشار الى أنّ المقصود بالدّيوان هي الميليشيا التركية .

ب ) المؤرّخون المعاصرون

- يتبنّى حسن حسني عبدالوهاب رواية ابن أبي الضّياف في ان حسين بن علي رفض في البداية البيعة المعروضة عليه ثمّ بعد الإصرار عليه قبلها فقد كتب أن أهل مدينة تونس جزعوا لمّا علموا بهزيمة إبراهيم الشّريف و أسره و جزعوا من سير جيش العدوّ نحو مدينتهم وهم فوضى فاجتمع " كبار الجند و العلماء و الأعيان" واتفقوا على تقديم حسين بن علي "لما يعلمون من حميد خصاله و حزمه" فتوجّه اليه أهل الحلّ و العقد "و ألزموه قبول بيعتهم و جمع كلمتهم و دخلوا به مدينة تونس و قلّدوه الأمر في 20 ربيع الأول 1117/ 15 جويلية 1705."

ولا تختلف عن الروايات السابقة مّا كتبه الدكتور محمد السعيد عقيب من انّ معارك عنيفة دارت سنة 1705 بين عثمانيي الجزائر وتونس أسر فيها إبراهيم الشّريف فنصّب أهل الحلّ و العقد حسين بن علي على حكم تونس (9) .

كما - لا يختلف بول صبّاغ عن الرّوايات السابقة الذكر فقد كتب في مؤلّف له عن مدينة تونس في القرن السابع عشر (10) انّ المعارك بين إيّالتي تونس و الجزائر أسفرت عن هزيمة التونسيين و اسر قائدهم ابراهيم الشّريف فأسرع الجيش التونسي وعيّن قائدا له ضابطا تركيا متميّزا يدعى حسين بن علي الذّي بعد تنصيب الميليشيا له نظّم دفاعات العاصمة ونجح في ردّ العدوّ و أسّس السّلالة .

ويقصد بول صبّاغ بكلمة الميليشيا الدّيوان الذي هو مجلس يضمّ كبار قادة الجيش كما سلف بيانه عند استعراض رواية التاجر الفرنسي "نيكولا بيرنجي " .

وتذكر الأستاذة لمياء كراء (11) انه اثر هزيمة باي تونس إبراهيم الشريف يوم 8 جويلية في معركة مدينة الكاف أمام جيش داي الجزائر رجع جنرالات الجيش التونسي الى مدينة تونس و اعلن يوم 10 من نفس الشهر قادة الميليشيا (12) تعيين احدهم بايا وهو حسين بن علي.

كما تذكر الأستاذة ليلى تميم بليلي (13) انّ آغا القصبة لا يعلم شيئا عن مصير إبراهيم الشريف و اعتقد أنّه مات فاجتمع الديوان بدعوة منه و عيّن آغا القصبة دايا وعيّن حسين بن علي بايا وهو المختبئ في زاوية بسيدي حسين السّيجومي و أضافت أن أهل الحل و العقد و أيضا عدد كبير من سكان العاصمة بايعوه و انتقل الى القصبة حيث نصّبه الديوان بموافقة "علماء الدين" ما يضيف على تنصيبه صفتي المدني و الدّيني و يجعل بيعته اكثر شرعية من البيعة التقليدية فهي تنشئ للسلطة علاقة تضامن و تعاون مع علماء الدين و علاقة جديدة مع المجتمع .

و يذكر الأستاذ "اندي رايمون" (14) أنّه اثر هزيمة إبراهيم الشريف و أسره عيّن الجيش مكانه حسين بن علي بايا الذي استطاع جمع الطاقات التونسية لصدّ العدوّ و إجباره على الجلاء من البلاد و استخلص أن أحداث 1705 شهدت لأوّل مرّة ميلاد وطنية تونسية .

كتب التاريخ المدرسية في تونس تقرّ بشرعية استلام حسين بن علي السّلطة.

وإنّ ما صرّح به الحبيب بورقيبة يوم ختم دستور 1959 هو موقف الدولة التونسية الرسمي من الأسرة الحسينية اتخذته بعد إلغاء الملكية و إعلان الجمهورية لكن لم تخلّت عنه الدّولة التّونسية ممثلة في وزارة التربية فقد أدرجت في منهاجها المدرسي الرسمي روايتي محمد الصّغير بن يوسف و حسين خوجة في كتاب التاريخ لتلاميذ السّنة الثّالثة من التعليم الثّانوي – الآداب و الاقتصاد و التصرّف- فكتب التاريخ المدرسية ينجزها بتكليف من وزارة التّربية أساتذة مختصّون في التّاريخ طبق البرنامج الرسمي الذي تسطّره فلم تقدم ما يفيد الطعن في شرعية الحسين ولا في شرعية الدولة الحسنية التي مجدت كثيرا من باياتها وإصلاحاتهم وخاصة أحمد باي الذي الغى العبودية ومحمد باي صاحب عهد الأمان 1857 ومحمد الصادق باي صاحب الدستور في 1861 بل وقع ادرج بعض إصلاحاتهم ضمن التراث الإنساني مثل الغاء العبودية كما مجدت المواقف الوطنية للمنصف باي الذي ظل اسمه خالدا في تاريخ تونس وذاكرة التونسيين حتى اصبح اسم المنصف من اكثر الأسماء تداولا في الخمسينات والستينات (15) .

نستخلص من الرّوايات السّابقة أن ما صرّح به الرئيس الحبيب بورقيبة يوم ختم دستور الجمهورية لسنة 1959 كان موقفا سياسيا لا علاقة له بما اجمع عليه المؤرخون و بالحقيقة التاريخية وكان القصد منه تبرير شرعية استلامه السلطة بالبلاد التونسية بقرار من المجلس القومي التأسيسي الذي دفعه الديوان السياسي للحزب برئاسة الحبيب بورقيبة الى الحياد عن صلاحياته المنصوص عليه في أمر إحداثه و هي سنّ دستور للمملكة التونسية فالغي الملكية و اعلن الجمهورية .

لقد سعى الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية الى تعزيز شرعية استلامه السّلطة بنفي شرعية الأسرة التّي أزاحها من السّلطة فجرّح في حسين بن علي و نفى عنه انتماؤه الى البلاد التونسية وشرعية استلامه للسلطة و هي شرعية استمدّها من إجماع سنة 1705 أهل الحلّ و العقد عليه بالبيعة له بيعة تلقائية رضائية بتوليته بايا لإيّالة تونس لم يذكر المؤرّخون أنّه سعى اليها و أسال من أجلها الدّماء بل اكّد بعضهم على انّه أنّه لم يسل من أجلها الدّم مثل ابن أبي الضياف في كتاب الاتحاف والأستاذ محمد العزيز بن عاشور (16).

(3 ) شرعية تولي الحسن بن علي لم تمنعه من الانقلاب على الشرعية

تولّى حسين بن علي أمر البلاد واستقرّ له الوضع و صار يمارس حكما مطلقا فتجاوز الديوان ولم يعد يتشاور مع أعضائه و إنما يعلمهم بقراراته وأخضع الدايات لسلطته بينما في بداية الحكم العثماني بتونس كان الباي يخضع لسلطة الداي و سعى الى إنشاء حكم وراثي في تونس مثلما فعل مراد باي مؤسّس الأسرة المرادية ولأنّه لم يكن له أبناء ذكور كلّف علي ابن أخيه محمد بن علي بسفر المحال ما يعني تعيينه وليا لعهده يخلفه بعد موته في منصب باي إيّالة تونس لكن بعد مدة اصطفى لنفسه سبية أوتي بها من جنوى ولدت له أربعة أبناء محمد و علي و محمود و مصطفى و بنتا ولما كبروا راودته فكرة تعيين ابنه محمد وليا للعهد و تكليفه بسفر المحال و استشار في الغرض العالم ابو عبدالله محمد زيتونة الذي لم يستحسن الفكرة و نصح الباي بالتّأنّي و التّثبّت و أشعره بان ما يعتزم عليه قد يكون سببا في الفتنة فردّ عليه الباي مغترّا بأن " لا يخشى ، فإنّ إفريقيا كسجّادة طويتها و جلست عليها "(17) .

لم يلتفت الباي حسين بن علي الى التّحذير و اهمل النصيحة وقرر ما عزم عليه و كلّف ابنه محمد بسفر المحال ما يعني أنّ ابنه صار وليّ عهده و يعني أيضا عزل علي ابن أخيه من سفر المحال و تبعا لذلك لم يعد وليّ عهده و حاول ترضيته بتقديمه لمنصب الباشا الذي منصب صوري ليست له صلاحيات عملية وأطلق على ابن أخيه لقب الباشا لكن دون جدوى فثار علي باشا على عمّه وكانت فتنة كبرى عصفت بالبلاد و قسمتها الى حسينية انصار حسين بن علي والى باشية انصار علي باشا و كانت سببا مباشرا في التدخّل الأجنبي .

يتحمل الباي حسين بن علي مسؤولية الفتنة التّي أشعلها و كان من ضحاياها فقد قتله في القيروان يونس ابن علي باشا و إنّ شرعية استلامه سلميا السلطة السياسية بالبلاد التونسية لا تبرّر نكوثه عن عهده ومخالفته قاعدة أساسية تنظّم انتقال السلطة سلميا كان هو قد وضعها وهي حسب المصطلح الحديث قاعدة دستورية يترتّب عن مخالفتها التّساؤل عن مدى شرعيته في البقاء في السلطة و التمسّك بها رغم تحذيره من الفتنة لكن لم يتردّد في إشعال حرب كان ضحيتها الرّعية و البلاد ....

- واذا حصرنا قولنا في باب الشرعية وطبيعة النظام السياسي ( دون أن يكون راينا حكما حول جملة ما صنعه بورقيبة على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو التربوي ) فلقد انقلب بورقيبة هو نفسه على الدستور الذي ختمه وأقسم عليه باعتباره القاعدة الأساسية التي تقوم عليها مؤسسات الدولة الحديثة و بصفته حافظا للديمقراطية ووسيلة مثلى للتداول السلمي على السلطة . لقد دعا في خطاب له يوم 12 افريل 1973 نواب البرلمان الى منحه الرّئاسة مدي الحياة بتعديل "دستور الجمهورية التونسية" الذّي ينصّ في الفصل 40 على أنّ رئيس الجمهورية ينتخب "لمدّة خمسة أعوام" و على انّه "لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يجدّد ترشّحه للرّئاسة اكثر من ثلاث مرّات متوالية" حيث قال " لا نربط انفسنا بأجل حتّى لا نحرم من خدمات الإنسان الذي توفّرت فيه الخصال الكاملة و المقدرة و الكفاءة لمجرّد وجود نصّ دستوري...؟ وهكذا تحول بورقيبة الى باي جديد مطلق الحكم بيده الأمر والنهي ولا شيء فوقه غير نفسه وبطانته (18) وهو ما يؤكده المؤرخ هشام جعيط في حوار اجري معه بعد الثورة . وسيفتح هذا المنطق الأخرق الذي يضع الشخص فوق الدستور الباب أمام كل الخروقات التي ستشهدها تونس أيام حكم بن علي وهذا موضوع ربما آخر ربما عدنا اليه في مناسبة لاحقة .


هوامش
* انظر مقالنا الأول بمناسبة عيد ميلاد بورقيبة المنشور على صفحتنا وفي موقعي " الزراع "و " بوابتي " : بعنوان : بمناسبة 3 أوت ذكرى ميلاد الرئيس بورقيبة : في جذور إعلام الدعاية والتضليل في تونس
(1) ذكر احمد بن أبي الضياف في كتاب الاتحاف أن البيعة الأولى تمت لحسين بن علي يوم 20 ربيع الأنور 1117 و جاء في طبعة الكتاب الذي حققته "لجنة من كتابة الدولة للشؤون الثقافية و الأخبار" أن ذلك التاريخ يوافق يوم 12 جويلية 1705 وهو نفس التاريخ الذي يعتمده الأستاذ محمد العزيز بن عاشور لكن الأديب المؤرخ حسن حسني عبدالوهاب يعتبر التاريخ الهجري المذكور يوافق يوم 15 جويلية 1705 و يعتبر الأستاذ عبداللطيف الحناشي انه يوافق يوم 10 جويلية 1705
(2) يراجع "نصوص و وثائق سياسية تونسية" مركز الدّراسات و البحوث و النشّر، كلّية الحقوق و العلوم السّياسية بتونس 1987.
(3) يراجع كتاب "اتحاف اهل الزّمان بأخبار ملوك تونس و عهد الأمان" للوزير المؤرّخ أحمد بن أبي الضّياف المجلّد الثّاني ص 84 منشورات زخارف، تونس 2016.
(4) محمد الصغير بن يوسف هو محمد الحنفي الباجي ولد بمدينة باجة حوالي 1694 وتوفي حوالي 1184 مؤرخ تونسي وكان مناصرا لحسين بن علي: يراجع كتابه "المشرع الملكي في سلطنة اولاد علي تركي" تحقيق احمد الطويلي المطبعة العصرية 1998" نقلا عن كتاب التاريخ للسنة الثالثة من التعليم الثانوي شعبتا الآداب و الاقتصاد و التصرف المركز الوطني البيداغوجي ص 185.
(5) حسين خوجة سياسي و مؤرخ تونسي ( 1666- 1732 )يراجع كتابه "ذيل بشائر اهل الايمان بفتوحات آل عثمان " الدار العربية للكتاب تونس 1975 ص 112.
(6) Voir " la Régence de Tunis à la fin du septième siècle" Introduction et notes de Paul Sebag: "Mémoire pour servir à l'histoire de Tunis depuis 1684" de Nicolas Béranger, page 142
(7) بول صبّاغ: ولد بتونس يوم 29/09/1919 و توفي بباريس يوم 15/09/2004، كان عضوا في الحزب الشّيوعي التّونسي، درّس بالجامعة التونسية، من مؤلّفاته إضافة لما ذكر أعلاه:
* Histoire des Juifs de Tunisie : des origines à nos jours, Paris, L'Harmattan, coll. « Histoire et perspectives méditerranéennes »
Tunis : histoire d'une ville, Paris, L'Harmattan, coll. « Histoire et perspectives méditerranéennes »
Communistes de Tunisie, 1939-1943 : souvenirs et documents, Paris, L'Harmattan.
La course tunisienne au XVIIe siècle, Tunis, Institut des belles lettres arabes, coll. « Publications de l'Institut des belles lettres arabes ».
Les noms des Juifs de Tunisie : origines et significations, Paris, L'Harmattan
حسن حسني عبدالوهّاب اديب و مؤرّخ تونسي (1884-1968) يراجع كتابه "خلاصة تاريخ تونس) ص 124و 125.
(9) يراجع "الإيّالة التونسية والسلطنة العثمانية ... مظاهر التبعية، وتجليات الانفصال""
أ د/محمد السعيد عقيب/ قسم العلوم الإنسانية/ جامعة الشهيد حمه لخضر
ط.د/ محمد العيد قدع/ قسم العلوم الإنسانية/ جامعة الشهيد حمه لخضر
موقع: مجلة المعارف للبحوث و الدراسات التاريخية، مجلّة دورية دولية محكمة
بول صبّاغ: ولد بتونس يوم 29/09/1919 و توفي بباريس يوم 15/09/2004، كان عضوا في الحزب الشّيوعي التّونسي، درّس بالجامعة التونسية، من مؤلّفاته:
(10) Tunis au dix-septième siècle : une cité barbaresque au temps de la course de Paule Sebag. Histoire et perspectives méditerranéennes. Edition L’Harmattan. Août 2022. Paris. Page 18.
(11) "La Tunisie, 3000 ans d'histoire en 120 dates" Lamia Karray. Imprimé à Tunis par Simpact en avril 2022. Page 96.
(12) استعمل بول صبّاغ و لمياء كرّاي مصطلح الميليشيا عند الحديث عن الجيش التونسي زمن البيعة لحسين بن علي ونجد لدى الكراي مصطلحات متناقضة و مضطربة فقد استعملت مصطلحي الجيش و الميليشيا وكأنّهما مترادفان و اشار بول صبّاغ ان القصد من لفظ ميليشيا الديوان وهو مجلس اعلى للجيش يتركّب من كبار قادة الجيش التونسي من بين صلاحياته انتخاب الدّاي و أيضا الباي و البت في النّزاع بين من يدّعون انهم أولى بمنصب الباي كالذّي حصل لعلي و محمد ابني مراد باي بن حمودة باشا فانتخب الديوان عمّهما محمد الحفصي ابن حمودة باشا. وخلافا لهما استعمل احمد بن ابي الضياف في كتاب الاتحاف مصطلح الجند في الحديث عن الجيش التونسي في تلك الحقبة و استعمل الوزير السراج مصطلح العسكر في التعريف بالديوان و في الحديث عن الجيش التونسي. يراجع كتاب "الحلل السندسية في الاخبار التونسية" تأليف محمد بن محمد الأندلسي الوزير السّرّاج ، تقديم و تحقيق محمد الحبيب الهيلة الجزء الثّاني القسم الأوّل ، دار الكتب الشّرقية.
و مصطلحا "الجيش" و الميليشيا" مختلفان تماما فالجيش قوّة نظامية تابعة للدولة تحتكر به مع قوّات الأمن الدّاخلي حيازة السلاح و استعمال القوّة بينما الميليشيا هيكل مسلّح غير نظامي يكون في كثير من الاحيان في صدام مع الدّولة
(13) « Sous le toit de l’Empire, Deys et Beys de Tunis. Du Pouvoir militaire à la Monarchie, 1666- 1922. » Tome 2. Edition Esprit. Collection histoire. Pages 161 et 198.
(14) « Tunis sous les Mouradites ; La ville et ses habitants au XVII siècle » de André Raymond. Pages 48 et 49. Edition : Cérès. Tunis, mars 2006.
(15) كتاب التاريخ للسنة الثالثة من التعليم الثانوي شعبتا الآداب و الاقتصاد و التصرف المركز الوطني البيداغوجي ص 112 و 185. مطبعة بيطا 2018.
(16) Vie et mort d’un fondateur de dynastie: Husseïn Bey 1er (1675-1740). Par Mohamed-El Aziz Ben Achour. Leaders, le 24/09/2021.
« … Le pays privé de chef, militaires et notables religieux se tournèrent vers Husseïn Ben Ali, qui, de l’avis général, accéda au pouvoir de manière légitime et sans effusion de sang. »
(17) يراجع كتاب "اتحاف اهل الزّمان بأخبار ملوك تونس و عهد الأمان" للوزير المؤرّخ أحمد بن أبي الضّياف المجلّد الثّاني ص ص 104 و 105 منشورات زخارف، تونس 2016.
(18 ) انظر الحوار على الرابط التالي :
https://www.facebook.com/reel/28908242732099589

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات