تقديم:
في كل مرحلة انتقال سياسي، وبمجرد أن تفتح صناديق الاقتراع، يسيطر على النخب والمجتمعات هاجس مرعب: ماذا لو استخدمت الأغلبية الجديدة الديمقراطية لتدمير الديمقراطية ذاتها؟ ماذا لو جاء برلمان منتخب ليشرّع الاستبداد، أو ينسف مكتسبات حقوقية ومجتمعية تراكمت عبر عقود؟
أمام هذا الرعب من المستقبل، لجأت الأنظمة الدستورية حول العالم- وتونس ليست استثناءً-إلى حيلة قانونية تبدو في ظاهرها عبقرية: "الأبدية الدستورية" أو صنع أقفال فولاذية تمنع المساس ببعض النصوص إلى الأبد، وتضعها فوق إرادة الشعوب والأغلبيات البرلمانية.
لكن، هل تكفي عبارة "لا يجوز تعديل هذا الفصل" لحماية الدول والمجتمعات من الانهيار؟ ومتى يتحول تحصين القوانين إلى صناعة "أصنام قانونية" جامدة تصادر حق الأجيال القادمة؟
في تساؤلنا عن كل ذلك، نفتح باباً للبحث والتأمل في واحدة من أعقد الإشكاليات في الفقه الدستوري، ونطرح قراءة نقدية- بأقصى ما نستطيع من حياد-لمسار التحصين القانوني في تونس.
الجزء الأول: سطوة الأموات على الأحياء:
تخيل برلماناً منتخباً ديمقراطياً، يمثل الإرادة الشعبية الحرة، يصوت بإجماع أعضائه على تعديل مادة في الدستور. ثم يخرج قاض من المحكمة الدستورية ليلغي هذا التعديل بجرة قلم، معتبراً إياه باطلاً و"غير دستوري" رغم أن الأمة بأكملها وافقت عليه. كيف يجرؤ قاض غير منتخب على معارضة الإرادة الشعبية وإجهاض قرار ديمقراطي!؟
تكمن الإجابة في نظرية "الأبدية القانونية" أو ما يُعرف بـ "الشروط الأبدية" (Les clauses intangibles). إنها النظرية التي تضع خطوطاً حمراء قاطعة، مبنية على قناعة راسخة بأن الأغلبيات السياسية، مهما بلغت شرعيتها، لا تملك حق تدمير جوهر الدولة عبر صناديق الاقتراع.
ولم ينشأ النقاش حول تحصين النصوص من ترف فكري، بل ولد من رحم المخاوف السياسية الكبرى:
+صدمة برلين وولادة "شرط الخلود": أشهر تطبيق واقعي لهذه النظرية نشأ في ألمانيا. لقد وقف المشرع الألماني مشدوهاً أمام مفارقة مرعبة: هتلر لم يدمر جمهورية فايمار بانقلاب عسكري، بل استخدم الأدوات الديمقراطية لتشريع الديكتاتورية. ولضمان عدم تكرار الكارثة، ابتكر "القانون الأساسي" الألماني (دستور 1949) "شرط الخلود" ، الذي ينص بصرامة على أن الكرامة الإنسانية، والطبيعة الديمقراطية للدولة، هي مبادئ غير قابلة للتعديل إلى الأبد.
+سابقة "الهيكل الأساسي" في الهند: امتدت الأبدية لتصبح نظرية قضائية عالمية تعرف بـ "التعديل الدستوري غير الدستوري". في عام 1973، أصدرت المحكمة العليا الهندية حكماً تاريخياً يفيد بأن للبرلمان حق تعديل الدستور، لكنه لا يملك حق المساس بـ "الهيكل الأساسي" (La structure de base) للدستور، واعتبر أن سلطة "التعديل" تعني التطوير، لا "الهدم وإعادة البناء".
لكن رغم نبل الغاية، فإن هذه البناء الدستوري يصطدم بنقد فلسفي لاذع. فالتأبيد القانوني يضعنا أمام مأزق ديمقراطي لخصه توماس جيفرسون يوماً بصرخته: "الأرض ملك للأحياء، ولا يحق للأموات أن يفرضوا قوانينهم علينا من قبورهم"!.
هنا تتجلى فكرة "صنم بعد الدستور". فالقوانين والدساتير وجدت لخدمة الإنسان. إن إضفاء القداسة عليها يحولها إلى "أصنام" قانونية جامدة. هذا التأبيد يصادر حق الأجيال القادمة في تقرير مصيرها، ويلغي جوهر العملية الديمقراطية القائم على التداول السلمي والمراجعة.
الجزء الثاني: تونس ومدرسة "التأبيد الدستوري" ووهم الأقفال
إذا كانت نظرية "الشروط الأبدية" قد نشأت استجابة لصدمات تاريخية كبرى في أوروبا وآسيا، فإن الناظر في التاريخ التشريعي التونسي سيدرك سريعاً أن هذه الفكرة تمثل أداة أساسية لإدارة الخوف من تقلبات السياسة محلياً.
لقد كشفت الدساتير التونسية الثلاثة عن نزعة مستمرة نحو بناء "خزائن دستورية" موصدة، تخبأ فيها ثوابت الدولة بعيداً عن متناول الأغلبيات البرلمانية الطارئة:
+ دستور 1959 (قفل "الجمهورية" الأول): لم ينتظر المشرع التونسي طويلاً ليدرك خطورة ترك الباب موارباً أمام الارتدادات السياسية. وضع دستور 1959 قفلاً أبدياً يحمي شكل الدولة، حيث نص الفصل 74 على جواز التنقيح "ما لم يمس ذلك بالنظام الجمهوري للدولة".
+ دستور 2014 (ذروة التحصين والأبدية الصريحة): في ظل استقطاب حاد، بلغ "التأبيد الدستوري" ذروته. حيث استخدم المشرع عبارة المنع المباشر في الفصل الأول (هوية الدولة) والفصل الثاني (مدنية الدولة)، مذيلاً إياهما بعبارة قاطعة: "لا يجوز تعديل هذا الفصل".
+ دستور 2022 (توسيع نطاق "المحرمات الدستورية"): حافظ الدستور على هذا الإرث، فأبقى الفصل 136 على حماية النظام الجمهوري ومنع تمديد الدورات الرئاسية بالزيادة. كما وضع قفلاً حقوقياً واسعاً في الفصل 55: "لا يجوز لأي تنقيح أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور" .
لكن في المقابل، ولئن بدت نظرية "الشروط الأبدية" انتصاراً للحقوق، إلا أن القراءة النقدية تكشف عن ضعف هيكلي يتلخص في انعدام فاعليتها المطلق حين تواجه امتحاناً حقيقياً خارج قاعات المحاكم.
اذ تستند الفكرة إلى افتراض مثالي بأن التهديد الوحيد للدستور يأتي من داخل قبة البرلمان عبر آليات "التعديل". لكن التاريخ السياسي يخبرنا بعكس ذلك:
+ أول الأوهام هو الإغفال الكامل للدستور: ما فائدة التنصيص على أن النظام الجمهوري أو المدنية "غير قابلة للتعديل"، إذا كانت السلطة قادرة على ممارسة إغفال كامل للمبادئ الدستورية المعلنة؟ في لحظات الاستثناء القصوى، تفقد "الأبدية" أي معنى لها. المقتحم لا يضيع وقته في فك "القفل"، بل يعلق الدستور برمته، لتسقط المواد "الأبدية" جنباً إلى جنب مع المواد العادية.
+ ثاني الأوهام هو خرافة الاستمرارية الدستورية: فالشروط الأبدية تحمي الدستور من "التنقيح"، لكنها تقف عاجزة أمام "الإلغاء". عندما يسقط دستور ليُعوض بآخر، تموت المبادئ الأبدية معه.
+ ثالث الأوهام هو الانفصام بين النص والواقع: حيث تتحول المبادئ الأبدية غالباً إلى "واجهة تجميلية.
فقد ينص الدستور على قدسية الحريات، بينما يشهد الواقع دوساً يومياً عليها، ليصبح القفل الأبدي فاقداً لقيمته الردعية.
الجزء الثالث : مجلة الأحوال الشخصية وأولويات التحصين المفقودة
إذا كانت "الأبدية الدستورية" تقف عاجزة أمام واقع الإغفال التام للدساتير، كما بيّنا سابقاً، فإن تمسك النخب التونسية بهذه الأقفال يضعنا أمام مفارقة تستحق النظر. ففي ذروة الانتقال الديمقراطي، لم تكتفِ النخب بمحاولة تحصين الهياكل الكبرى كـ"الجمهورية" أو "المدنية"، بل خاضت معركة لإدخال نص تشريعي بعينه إلى نادي المبادئ الأبدية: مجلة الأحوال الشخصية.
هنا يبلغ مأزق "الصنم القانوني" ذروته، وتختلط المخاوف المشروعة بسوء تقدير فادح لأولويات التحصين المؤسسي.
فما يلاحظ هو أن المجلة (الصادرة عام 1956) قد تحولت في وجدان بعض التونسيين من قانون ينظم شؤون الأسرة إلى رمز للهوية الوطنية ولدى البعض الآخر الى "قميص عثمان"!. ومع الخوف المتبادل من صناديق الاقتراع، أدركت بعض النخب أن الأغلبيات البرلمانية قد تنسف هذا المنجز. وكرد فعل، تعالت الدعوات لدسترة المجلة وإضفاء طابع "فوق دستوري" عليها، لجعلها "هيكلاً أساسياً" لا يقبل النقاش.
لكن هنا يجب أن نتوقف لنؤكد أن المطالبة بتأبيد نص تشريعي تفصيلي تضعنا في قلب مأزق فلسفي ودستوري. الدساتير المقارنة تلجأ إلى تأبيد المبادئ الكبرى، لكنها لا تؤبد قط مجلات تشريعية تفصيلية تنظم العلاقات الأسرية.
فقوانين الأسرة تخضع للتطور المجتمعي السريع. وتأبيد نص تشريعي تفصيلي يحوله الى نص متصلب.
فمن الواضح أن إخراج قانون وضعي من دائرة النقاش يضفي عليه "القداسة المطلقة". وحين نؤبد قانوناً، نصادر حق الأجيال القادمة في الاجتهاد، ونجعل الأموات يحكمون الأحياء، فيتحول النص إلى "صنم قانوني" تعطل بموجبه حركة التاريخ.
لكن في الأخير ألا يجوز القول: أننا ضللنا الطريق!، فإذا اعترفنا بالحاجة لحماية المكتسبات، فهل كانت مجلة الأحوال الشخصية هي الأولوية القصوى للتأبيد؟
لقد استنزف الفاعل السياسي طاقته في تحصين النصوص، وتغافل تراجيدياً عن تحصين الآليات والمؤسسات التي تحمي هذه النصوص:
+ الاستقلالية المطلقة للسلطة القضائية: هي الضمانة الوحيدة والفعلية لحماية كافة الحقوق، بما فيها حقوق المرأة. إن تأبيد الاستقلالية المؤسسية والمالية للقضاء كان أولى بالتحصين من أي نص آخر. فقانون متطور بغير قاضٍ مستقل ومحمٍ، هو مجرد حبر تسحقه أول أزمة سياسية.
+ التوازن بين السلطات: تحصين آليات المراقبة لمنع احتكار السلطة وانزلاق النظام نحو الشمولية، فالأنظمة المطلقة لا تحترم مجلة ولا قانوناً.
+الضمانات الإجرائية للمحاكمة العادلة: تأبيد آليات الطعن ومنع القضاء الاستثنائي، وهي الجدران التي تتحطم عليها محاولات الاستبداد.
ومهما كان التزاحم بين تلك الأولويات الجوهرية، فمن الواجب التسليم بان المكتسبات المجتمعية لا تحمى بتحويل القوانين إلى "أصنام" مغلقة، ولا بالاعتماد على "شروط أبدية" تسقط عند أول تعليق للدستور.
* الحماية الحقيقية تبنى عبر منظومة مؤسسية صلبة يقف على رأسها قضاء حر ومستقل كلياً، وعبر وعي جمعي متجدد يجعل من المساس بالحقوق انتحاراً سياسياً. الأقفال القانونية تكسر، لكن الثقافة المؤسسية والضمير اليقظ هما من يمنحان النصوص حياة تتنفس هواء نقيا.