ردا على وزير العدل الأسبق: صنم فوق الدستور!

يطل علينا "العقل القانوني" بمقترح يطمح إلى تحويل النصوص الوضعية إلى مقدسات محجوبة عن حركة التاريخ متجاوزا منطق الإرادة الشعبية وحق الأجيال في صياغة عقدها الاجتماعي. تتجلى هذه النزعة بوضوح في الطرح الأخير لوزير العدل الأسبق بشير التكاري حين انبرى للدفاع عن مجلة الأحوال الشخصية معتبرا إياها الدستور الاجتماعي للبلاد وضمان حداثتها وركيزة نظامنا الجمهوري لينتهي إلى خلاصة صادمة ترى أنه لمواجهة الحملة التي تتعرض لها هذه المجلة لم يعد يكفي إعطاء المبادئ التي تكرسها مكانة دستورية بل لا بد من المطالبة بتنزيلها منزلة أعلى من الدستور.

هذا الموقف الذي يستعير مصطلح القيمة الفوق دستورية لتفادي المس من هذه المبادئ عن طريق أي نص دستوري يصدر في المستقبل يمثل في جوهره مصادرة لسيادة الأمة وتجميدا لحركية المجتمع تحت ذريعة حماية المكتسبات.

المفهوم الفقهي للسمو الفوق دستوري الذي صاغه رواد القانون العام في فرنسا أمثال موريس هوريو وجورج فيديل لم يبتكر لحماية تشريعات مدنية أو مجلات قانونية بعينها من التطور بل تأسس نظريا لضمان استمرار جوهر الدولة وحماية الحقوق الطبيعية للإنسان من شطط السلطة التأسيسية متى انحرفت عن غاياتها.

تنزيل هذا المفهوم الفلسفي المعقد على قواعد تخص تنظيم الأسرة وعلاقاتها يفرغ النظرية من محتواها العميق ويحول النص الوضعي إلى قيد أبدي. القانون كائن حي يتنفس من تفاعلات البنية المجتمعية ومحاولة تحنيطه عبر فرض حظر استباقي ومطلق تعني سحب الثقة من العقل الجمعي واعتبار الأجيال القادمة قاصرة عن إدراك مصالحها وتحديد شكل التحديث الذي يناسب عصرها.

إن تحصين أي منجز اجتماعي لا يتحقق عبر رفعه إلى مصاف النصوص المتعالية المحجوبة عن النقد والتعديل بل عبر تجذيره في الممارسة اليومية والوعي العام. الهروب نحو نظريات السمو المطلق يعكس ارتباكا دفينا وشعورا بهشاشة هذا المنجز أمام التحولات العميقة التي تخترق المجتمع. لو كانت المجلة بالفعل ركيزة صلبة متجذرة في وجدان التونسيين كما يقرر التكاري لاستغنت عن هذه الدروع النظرية المستوردة ولدافعت عن نفسها بقوة انتمائها للواقع وثبات مبادئها في وجه الزمن. وحين نضطر إلى الاحتماء بنظريات فقهية استثنائية لإنقاذ تشريع من إرادة شعبية محتملة يبرز التساؤل الملح عن قيمة حداثة ترتعد فرائصها من مجرد التفكير في عرض مكتسباتها على العقل النقدي المتجدد وتفضل الاختباء خلف أسوار الأبدية القانونية.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات