هل أنا "مواطن" محترم أم الغبي الأخير؟

أي مشكل في تونس يقال لك "المواطن" هو السبب لأنه يرمي الفضلات في الشارع، يدمر المنشآت العمومية ويخالف قواعد المرور وكل أنواع القوانين، الحقيقة أن التعريف الوحيد لهذا الكائن الذي اسمه المواطن قاله عون أمن في محكمة تونس بعد أن "عاتبوه" لأنه دفع محاميا: "نحساب فيه مواطن"،

لا أحد يحدثكم هنا عن دور الدولة في جعل المواطن يصبح نذلا أنانيا ومساهمتها في تكسير العقد الاجتماعي بيننا حتى نفقد الثقة فيها وفي قوانينها، أكثر ما يثير السخرية في تونس هو حين تتحدث مؤسسات السلطة عن "الوعي" لدى المواطن لكي لا يخالف القانون وكأنها مؤسسات خيرية للتوعية والإرشاد القومي وليست مؤسسات إنفاذ القانون وبيدها وحدها الحبس والعصي والغاز المسيل للدموع،

باهي، ثم أنا أغادر بيتي صباحا مثل "مواطن" بسلة مهملات مغلقة جيدا فيفاجأ بوجود 4 صناديق قمامة محطمة ومليئة وحولها أكثر من 100 متر مربع من فضلات المقاهي والمطاعم والنفايات وبقايا الحدائق والبناءات والجراري وقطيع من الكلاب الضالة، لم تزرها البلدية منذ ثلاثة أيام، ماذا تريدني أن أفعل؟ ما معنى وضع الفضلات في مكانها أصلا؟ لأن الدولة قصرت تماما في القيام بدورها،

أقف بسيارتي في أحد مفترقات شارع محمد الخامس الاستراتيجي محترما الضوء، يأتي "مواطن" آخر، يلتف حول الصف والضوء وينطلق حرا تحت مراقبة الكاميرات وقد تفادى إضاعة الوقت في احترام القانون، لقاها خالية فأقام فيها أذان الفوضى، هل هو خطأه أم خطأ الدولة التي تخلت عن دورها في تطبيق القانون؟ وماذا لو رأى الباقون أن يفعلوا مثله لإفلاته من الحاسبة وبقيت وحدي، هل أنا مواطن محترم أم الغبي الأخير؟ وماذا لو تغير الضوء وحاولت استغلال حقي في المرور لكن الآخرين لم يحترموا حقي ومنعوني من المرور، هل أنزل إليهم بالكريك وتقع كارثة، علامة على غياب الدولة؟

باهي، صاحب مقهى، رأى الجميع يستغلون الرصيف ففعل مثلهم، جاء أعوان الدولة، حجزوا الكراسي وعملوا محضرا، لكن جاره الذي يستغل الرصيف وجزءا من المعبد مرّ أمامه أعوان الدولة ولم يزعجوه أصلا، فماذا بقي من معنى القانون ومن العقد الاجتماعي بيننا وبين الدولة لأن الثاني ليس مواطنا؟ أنت عندما تذهب إلى أية مؤسسة إدارية تسأل أولا عمن يعرف أحدا هناك ليسهل لك الأمر لأنك قد تكون على حق في أمر لا يستحق أكثر من 5 دقائق، لكنك مضطر لصف طويل من ساعة زمن وأنت ترى واحدا ليس "مواطنا" لا يقف مثلك في الصف، "عنده شكون" يذهب للسلام عليه ثم يخرج سريعا بعد أن قضى قضيته، وابقى أنت تتحدث عن القانون، توه ينفعك؟

باهي، هل لديكم فكرة عن سرعة تحول المهاجرين التونسيين في أوروبا والخليج إلى احترام القوانين المحلية ثم سرعة عودتهم إلى الفوضى العامة في تونس؟ الفارق الوحيد أن الدولة عندهم تقوم بدورها، ليس في التوعية والوعظ والإرشاد القومي بل في تطبيق القانون بصرامة على الجميع، ليس فيها علاقات زمالة ولا قرابة ولا فلوس تحت الطاولة، ليس فيها إفلات من المحاسبة، الفارق أنك عندما تغادر بيتك صباحا، إما أن تكون واثقا في العقد الاجتماعي مع الدولة: أن تحترم قوانينها وأن تضمن لك حقوقك وإما أن تعول على الاحتيال والعلاقات والتبوريب والرشوة وحتى الزلاط إن لزم الأمر،

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات