التمكين وغنيمة الحكم

مقدمة

من أهم المسائل التي وجب تقييمهما في العقل السياسي التونسي هي مسألة حياد الإدارة و علاقة الدولة المؤسساتية بالأحزاب السياسية، و لعل هذه الورقة هي مشاركة في نقاش حول المسألة الهامة جدا و التي لم نجد الإرادة السياسية الحقيقية لنقاشها نقاشا هادئا و عقلانيا بهدف بناء دولة عصرية تؤمن بحق الإختلاف و تؤمن في نفس الوقت بمبدأ الكفاءة و الجدارة في تسيير الشأن العام بعيدا عن الإصطفافات الإيديولوجية أو الحزبية أو الفئوية.

نحو مقاربة تونسية متوازنة لتسمية المسؤولين

منذ سقوط النظام السابق سنة 2011، لم تفتأ كلمة «التمكين» تتردد في النقاش السياسي التونسي، محمّلةً بشحنة اتهامية غالبا ما تُختزل في تفسير حزبي أو إيديولوجي ضيّق. غير أن فحص الظاهرة عن قرب، وبموضوعية بعيدة عن الاصطفاف، يكشف أنها أعمق وأقدم من أن تُختزل في تجربة حزب واحد أو حقبة سياسية واحدة؛ إنها في جوهرها مظهر من مظاهر أزمة أعمق تتعلق بعلاقة السلطة السياسية بالإدارة، وبمفهوم الفوز الانتخابي ذاته في دولة لم تُنجز بعدُ انتقالها من «منطق الغنيمة» إلى «منطق الدولة».

أولا. مفهوم «التمكين»: من التنظير الإخواني إلى الأداة الشمولية

يعني «التمكين»، في أصل استعماله، توزيع مواقع القرار في الدولة على «الموالين»، سواء كانت الموالاة عقائدية أو حزبية أو مصلحية، ضمن أشكال متعددة من المقايضة السياسية. وقع التنظير لهذا المفهوم في أدبيات جماعة الإخوان المسلمين على يد مؤسسها حسن البنا، قبل أن تتبنّاه حركات الإسلام السياسي كأداة حركية ذات غطاء إيديولوجي، هدفها بسط السيطرة على مفاصل القرار في كل الميادين: الإدارية والأمنية والقضائية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بل وحتى الرياضية.

بيد أن الإنصاف العلمي يقتضي التذكير بأن هذا النمط من الممارسة — تسييس التعيينات وتوظيف الدولة لخدمة قاعدة الحزب الحاكم — ليس حكرا على تيار بعينه. فكل الأحزاب الشمولية، أيا كان مرجعها الإيديولوجي، تنزع نحو تبني هذا المنطق الاستحواذي في كل الميادين. ما ميّز التجربة التونسية أن الكلمة نفسها اقترنت بالإسلاميين لأنهم من نظّر لها ونشرها صراحة في أدبياتهم، لا لأنهم وحدهم من مارسها.

ثانيا. لماذا اقترنت الكلمة بالإسلاميين تحديدا؟ إرث الإقصاء الاستبدادي

لفهم حساسية الموضوع، لا بد من العودة إلى ما قبل 2011. في ظل منظومتَي حكم بورقيبة وبن علي، كان توظيف كل من له انتماء إسلامي — بل حتى «رائحة» هذا الانتماء — محظورا فعليا في مختلف أجهزة الدولة، نتيجة الصراع بين التنظيم الإسلامي والسلطة السياسية، وهو صراع أوشك في مراحل معينة أن يتحول إلى صراع مع الدولة ذاتها. هذا الإقصاء الممنهج خلق، بمنطق ردّ الفعل الطبيعي، شعورا لدى حركة النهضة بأحقية «التعويض» لدى وصولها إلى الحكم.

والمفارقة أن عشرية الانتقال الديمقراطي أخفقت في فتح نقاش وطني هادئ حول هذا الملف الحساس؛ فقد اختارت حركة النهضة عدم مناقشته علنا، والتصرف فيه وفق منطق «غنيمة الحكم» بدل معالجته كإشكالية مؤسسية تستحق حلا توافقيا وقانونيا.

ثالثا. من التمكين إلى المحاصصة: عشرية الانتقال الديمقراطي

قبل 2011، كانت التسميات في مواقع المسؤولية تخضع لمبدإ الولاء للحزب الحاكم والتجمع الدستوري، حتى أصبح الانخراط فيه — تخفّيا أو انتهازية أو مجرد وظيفية — شرطا شبه ضمني للترقية المهنية.

مع الانتقال الديمقراطي، لم يتغيّر المنطق بقدر ما تغيّرت تسميته: فقد أصبحت كلمة «تمكين» مرادفة عمليا لكلمة «محاصصة حزبية»، أي تقاسم المناصب الوزارية والإدارية العليا والمسؤوليات الجهوية والمؤسسات العمومية بين مكونات التحالفات الحاكمة المتعاقبة، بصرف النظر عن الكفاءة أو الملاءمة.

رابعا. جذر أعمق: منطق الغنيمة في العقل السياسي التونسي

الأخطر من ذلك أن اختزال الإشكال في «التمكين الإسلامي» يحجب حقيقة أعمق: أن منطق الحكم كغنيمة سابق لسنة 2011 بقرون، وهو نمط تفكير سياسي لم يواكب بعدُ فكرة بناء الدولة الديمقراطية الحديثة القائمة على الفصل بين المسؤولية السياسية والوظيفة الإدارية المحايدة. فطالما ظل الفوز بالسلطة يُفهم كاستحواذ على موارد الدولة وتوزيعها على الأنصار، لا كتفويض شعبي لتنفيذ برنامج، ستظل كل الأحزاب — إسلامية أو غير إسلامية — عرضة لتكرار السلوك نفسه بأشكال مختلفة. و هو بذلك قصور معرفي رهيب لمفهوم الدولة يصاحب العقل السياسي في بلادنا منذ قرون.

خامسا. إعادة طرح الإشكال: بين حق المنتصر وحياد الإدارة

الخروج من هذه الحلقة المفرغة يستدعي إعادة صياغة السؤال من زاوية عصرية تنسجم مع التعددية الفكرية الضرورية للبلاد ومع متطلبات الديمقراطية التمثيلية، لا من زاوية اتهامية. والمسألة، في جوهرها، ذات وجهين متلازمين لا ينفصلان:

● كيف نضمن للحزب أو الائتلاف الفائز في الانتخابات إمكانية تسمية مسؤولين في القطاعات والمواقع الحساسة، بما يتيح له تنفيذ البرنامج الذي انتُخب من أجله؟

● وفي المقابل، كيف نضمن حياد المرفق الإداري، صاحب الدور التنفيذي والتقني في تجسيد السياسات العمومية، بمعزل عن التقلبات الحزبية والولاءات الظرفية؟

الإجابة عن هذين السؤالين معا، لا عن أحدهما على حساب الآخر، هي جوهر ما تقترحه التجارب الديمقراطية المقارنة.

سادسا. دروس من التجارب المقارنة

1. الولايات المتحدة: من «نظام الغنيمة» إلى «دفتر البرقوق»

عرفت الولايات المتحدة نفسها، في القرن التاسع عشر، ما يُعرف بـ«نظام الغنيمة» (spoils system)، الذي رسّخه الرئيس أندرو جاكسون، وقوامه توزيع الوظائف العمومية على أنصار الرئيس المنتخب. غير أن اغتيال الرئيس جيمس غارفيلد سنة 1881 على يد موظف محبط لم يحصل على منصب كان يطمح إليه، عجّل بإقرار قانون بندلتون للخدمة المدنية سنة 1883، الذي أسّس لأول مرة لخدمة مدنية قائمة على الجدارة والمناظرات، منفصلة عن دائرة التعيين السياسي.

منذ ذلك الحين، استقر نظام مزدوج: إدارة مدنية دائمة محمية من التقلبات الحزبية، وطبقة محدودة من المناصب «السياسية» يُغيَّر شاغلوها مع كل رئاسة جديدة، وهي المناصب التي يحصرها ما يُعرف بـ«دفتر البرقوق» (Plum Book)، الذي يصدر كل أربع سنوات عقب الانتخابات الرئاسية ويضم أكثر من ثمانية آلاف موقع، من بينها نحو ألف ومئتي منصب تستوجب مصادقة مجلس الشيوخ، فيما تبقى الغالبية العظمى من وظائف الدولة الأمريكية خاضعة للمناظرات والجدارة المهنية.

2. فرنسا: «الوظائف الخاضعة لتقدير الحكومة»

تعتمد فرنسا صيغة أضيق نطاقا، تُعرف بـ«الوظائف الخاضعة لتقدير الحكومة emplois à la »décision du gouvernement، وهي قائمة محدودة ومحددة قانونا تشمل أساسا الولاة، والسفراء، ومديري الإدارة المركزية، وبعض رؤساء المؤسسات العمومية الكبرى، ويمكن لمجلس الوزراء تعيينهم أو إنهاء مهامهم بحرية نسبية. أما الجسم الإداري في عمومه — من قضاة إداريين وموظفين ساميين تكوّنوا في المدرسة الوطنية للإدارة (التي تحولت إلى المعهد الوطني للخدمة العمومية) — فيبقى محكوما بمنطق السلك المهني والترقية بالجدارة، بمنأى عن التجاذبات الحزبية المباشرة.

3. ألمانيا: «الموظف السياسي» والتقاعد المؤقت

تطرح ألمانيا صيغة توفيقية أكثر أناقة، عبر ما يُعرف بـ«الموظف السياسي (politischer Beamter) »، وهي فئة محدودة من كبار الموظفين — كوكلاء الوزارات ومديري الإدارات المركزية — الذين تربطهم بالحكومة علاقة ثقة سياسية خاصة. عند تغيّر الحكومة أو فقدان هذه الثقة، يمكن إحالة هؤلاء إلى «التقاعد المؤقت» (einstweiliger Ruhestand) مع الاحتفاظ بامتيازاتهم كموظفين، دون فقدان صفتهم الإدارية بشكل نهائي، وهو ما يوفّر مرونة سياسية للحكومة الجديدة مع حماية للمسار المهني للموظف.

4. بريطانيا: الحياد الإداري الصارم والمستشارون الخاصون

تمثل بريطانيا النموذج الأكثر تشددا في صون حياد الإدارة، تأسيسا على إصلاحات نورثكوت-تريفليان في منتصف القرن التاسع عشر، التي أرست مبدأ خدمة مدنية دائمة ومحايدة سياسيا، لا تتغير بتغيّر الحكومات. في المقابل، أُتيح للوزراء عدد محدود جدا من «المستشارين الخاصين (Special Advisers) » المعيّنين سياسيا، الذين يعملون إلى جانب الإدارة الدائمة دون أن يحلّوا محلها أو يخترقوا صفوفها.

سابعا. نحو صياغة تونسية: خلاصات وتوصيات

يكشف هذا العرض المقارن أن كل هذه التجارب، على اختلاف صيغها، تلتقي حول مبدأ واحد: تحديد قانوني صريح ومحدود لدائرة «المناصب السياسية» التي يحق للفائز في الانتخابات ملؤها بثقته، مقابل صون صارم لبقية الجهاز الإداري من التسييس، عبر آليات المناظرة والترقية بالجدارة والحماية من العزل التعسفي. وهذا بالضبط ما تفتقر إليه التجربة التونسية إلى اليوم:

● غياب قائمة قانونية واضحة ومحدودة تحصر المناصب ذات الطابع السياسي البحت، مقابل ترك بقية سلك الوظيفة العمومية خاضعا فعليا لمنطق المحاصصة.

● غياب هيئة مستقلة أو إطار تعاقدي يحمي كبار الموظفين التقنيين من التبديل الآلي مع كل تغيير حكومي، على غرار «الموظف السياسي» الألماني أو النموذج البريطاني.

● استمرار الخلط بين حق الحكومة المنتخبة في التوجيه السياسي، وحقها المزعوم في إعادة تشكيل الإدارة بأكملها وفق الولاءات.

إن الخروج من دوامة «التمكين» بمعناها الاتهامي لا يكون بمجرد تجريم الممارسة أو حصرها في تيار بعينه، بل بإصلاح مؤسسي جريء يفصل بوضوح بين طبقة محدودة من المناصب السياسية القابلة للتغيير مع كل انتخابات، وإدارة عمومية محايدة ومستقرة تخدم الدولة أيا كان لون الحكومة. عندئذ فقط يصبح فوز أي حزب في الانتخابات فرصة لتنفيذ برنامج، لا غنيمة تُقتسم.

و هذا الإصلاح لا بد أن يشمل إصلاح الإدارة بما يستجيب إلى مبادئ الكفاءة و الجدارة و بناء منظومة موارد بشرية عصرية تعتمد على الكفاءة و التقييم المستمر و كذلك التدريب المتواصل. و هذا في الواقع هو ثورة مفاهيم في الإدارة التونسية و لدى النخب السياسية لجعل الإدارة التونسية تلعب دورها كاملا في منظومة ديمقراطية سليمة.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات