العودة الى " السياسة "؟؟ من 5 أوت 1947 الى 5 أوت 2026

قالت مانشيت الصحيفة النقابية: المعركة لم تنته..

بين قيادات الاتحاد الجهوي بصفاقس الذي رجح كفة التغيير في المركزية بعد مناكفات ساخنة مع القيادة السابقة.. وفي أجواء الجهة التي لا تخفي قيادتها الجديدة " معارضتها " ل25 جويلية بعد سنوات من موالاة خجولة لم يقابلها ثمن مجز.. وتحت شعارات سياسية حتى أسنانها " الثورة جاية جاية والظلم ليه نهاية" و"حريات حريات دولة البوليس وفات" ...جاء خطاب صلاح الدين السالمي بسقوف غير معهودة وإعلان واضح بتموقع سياسي في مواجهة السلطة وخياراتها …


…

السالمي اعلن قواعد الاشتباك الجديدة " اذا توقف التفاوض الاجتماعي فعلى الاتحاد أن يبحث عن مجالات أوسع للتحرك"...والأوسع هنا : السياسة ...فالاكتفاء بالمربع الاجتماعي الذي قامت عليه مقايضة التجديد تتطلب إشراك المنظمة في " التداول " على الخيارات الاجتماعية والاقتصادية ولكن السلطة ذهبت الى اعتبار " اقوى قوة في البلاد " بصدد لفظ أنفاسها وهي تدير ازمتها الداخلية الخانقة فأوقفت قبل المؤتمر منابع التمويل ولوحت بالملفات ودفعت الى مؤتمر التغيير ثم تركت " الدار غريبة " بل أقالت من أراد من موظفي الوزارة أن يلتزم باليات التفاوض الإدارية قبل كل ميزانية .

من إضراب 5 أوت 1947 استمد الأمين العام الجديد "العبرة" ليقول للسلطة كلاما " أحرشا " حين ذكر بأن التفاوض مع الاتحاد كان مفروضا حتى على السلط الاستعمارية ولكنه متوقف الآن في تونس المستقلة واذا كان قبول الاتحاد بالاكتفاء بمربعه الاجتماعي سيكون مبررا لاستضعافه فهو سيعود الى خوض معركة الحريات لأن المسالة الاجتماعية لن تفرض أهميتها إلا بحل المسالة السياسية .

الاجتماعي المأزوم الذي يستعيد من أجله الاتحاد دوره السياسي لا يقتصر على أزمة المقدرة الشرائية ومفاوضات الأجور والزيادات بل هو بالأساس تدهور وضعية المرفق العمومي الذي يشهد الانهيار في أوضاع الكهرباء والماء والصحة والتي من أجلها يجب أن يستعيد الاتحاد دوره "السياسي" ليقوم بدوره في إصلاح البلاد باعتبار أن النقابيين "مواطنين لا رعايا " و"بالشراكة مع قوى المجتمع المدني وباقي القوى الحية" ...هكذا صاغ السالمي منهجه الحجاجي لتبرير " عودة الاتحاد " الى " دوره الوطني الشامل" مستشهدا بالحدث المحتفى به وبتمشيات المؤسس خالد الذكر ورفاقه في 5 اوت حين تأكدوا ،بالمواجهة على الأرض، من الترابط بين المسألة الاجتماعية والمسألة الوطنية (مقاومة الاستعمار ) تماما مثلما يتأكد ورثتهم اليوم من ترابط المسألة الاجتماعية بالمسألة السياسية ( معركة الحريات ) .

يبلغ خطاب " العودة الى السياسة " ذروته حين يعلن الأمين العام للاتحاد " المحجم " أن للمنظمة رؤيتها الإصلاحية للبلاد وان " بديله الإصلاحي " في إدارة المرفق العمومي وتجاوز عجز السلطة عن الإنجاز هو من إعداد خبراء يتحدون في كفاءتهم كفاءات خبراء السلطة ويدعوها الى " مناظرات خبراء" وفي هذا الطلب تموقع(تحد ) سياسي شامل لا شك فيه .

وفي مواجهة مركزية لسردية السلطة في المحور الذي يحسن الاتحاد فيه المناظرة أي المحور الاجتماعي الذي تتباهى سلطة 25وتزعم أنها افتكت فيه دور المنظمة الشغيلة يعلن السالمي "أن السلطة، وعلى عكس ما تدعيه من شعارات، تأتمر بتوصيات صندوق النقد الدولي فهي تطبق أوامره الأربعة بكل وضوح في تقليص كتلة الأجور وفي تقليص الخدمات الاجتماعية للدولة وغلاء أسعار الدواء خير دليل..

وبذلك تعلن " القيادة النقابية الجديدة " أنها تكذب خطاب السلطة التي زايدت على الاتحاد في " اجتماعيتها وشعبيتها" لتعلن انتهاء دوره وتكفلها اكثر منه بالتعبير عن ارث محمد علي وحشاد .

خطاب الأمين العام الجديد اليوم في صفاقس رغم اقتضابه كان إعلانا عن مرحلة جديدة للعلاقة بين الاتحاد والسلطة تتجاوز طبيعة العلاقة التي مرت على امتداد 5 سنوات بمحطات ثلاثة فارقة وتصل اليوم الى مرحلة رابعة غير بعيدة عن التناغم مع سياقات " الترتيبات " :

1- إعلان المنظمة موالاة لحظة 25 جويلية في اشهرها الأولى مع طلبها للشراكة في قيادة المسار .

2- بعد مهادنة تكتيكية قامت بها السلطة مع الاتحاد بدأت عملية تحييد المنظمة وإخراجها من مدارات " السياسة" والاستهزاء من مطالبتها بخارطة طريق بالقول ان مكان الخرائط في كتب الجغرافيا و أن السلطة الجديدة لن تحمل أحدا " زقفونة " لتعبر به الصراط فالاتحاد كما الأحزاب وسائط عشرية يجب أن تفسخ كلها .

أما مطالبة الاتحاد بالحوار الوطني فقد ردت عليه السلطة بأنه لم يكن يوما حوارا ولا وطنيا وان مكان الحوارات في مؤسسات الدولة وبإشرافها وان زمن وصاية الاتحاد قد انتهى.

3- تعكرت العلاقة اكثر مع مرور الأشهر و " ابتلع" الاتحاد مبادرته السياسية وارتفعت نبرة السلطة تجاهه حين ذكرت بنقابة العمال التي كانت مع محمد علي تجتمع في المقرات لا النزل وحين لوحت بالملفات وأشارت الى " يسار" توجد حافظة نقوده على اليمين وكان إيقاف الاقتطاع ذروة القطيعة .

عرفت اقوى قوة في البلاد حدودها مع سلطة " لا تخضع" وتفهم " مطلوب " كبار المرتبين . وبعد استشارة القيادة السابقة لنظرائها الدوليين في العواصم الباردة وبعد اخذ رأي أصدقائها الإقليميين العارفين باتجاه رياح " الترتيبات " دخلت مرحلة "النضال بصمت " ثم ذهبت الى ترتيب البيت الداخلي ليعود الى اجتماعيته وإبعاد وجوه التسييس والادلجة و" الاستقواء" على الدولة والأحزاب وتأمين الخروج الآمن لقيادات مرحلة انتهى عهدها بانتهاء كل مكوناتها أحزابا ومجتمعا مدنيا ودولة مستضعفة .

كان واضحا أن الاتحاد قد فهم أن "25" لم يعد "لحظة" قياداته اليسارية الواهمة ولا "مسارها" المتخيل بل اصبح "فرصة" الدولة والرعاة لترتيب مشهد تونسي كان " اتحاد اليسراوية المنفلتة" أحد أسباب أزمة انتقاله المتعثر الذي كاد أن يحول تونس من مخبر دمقرطة قابلة للتجريب العربي الى بؤرة مزعجة لهندسة إقليم في ظهر غرب خائف ينحت نظامه العالمي الجديد بعناية.

4- تأتي الآن وهنا المرحلة الرابعة الجديدة .تغير الاتحاد بمؤتمر الخروج الآمن لفريق واستلام فريق شبه جديد "فاهم" للمطلوب ومتخفف من " وصم الفريق القديم " فاذا كان من الضروري إعادة " المنظمة" الى ساحة الضغط السياسي " للتغيير المحسوب " كانت خفيفة غير مثقلة بالتسيس المؤدلج الذي كانت تمارسه بشكل فج الوجوه "الذاهبة"....

بمظلته التونسية وخطابته المحسوبة المتدربة على " تسيس جديد" صاغ صلاح الدين السالمي نظامه الحجاجي لتبرير "العودة " الى " السياسة " ولكنها ليست عودة لقديم ولا هي "سياسة " حامضة بلا منكهات كما كانت في عشرية سواعد "اقوى قوة في البلاد " بل هي " سياسة" الدور في برنامج كبير بفاعلين يعرفون " نصوصهم " لا يتجاوزونها ولا ارتجال فيها .

لاشك أن "الدولة" قد استمعت الى خطاب " الرسائل" كما سماه السالمي في مقدمته ...

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات