"الهروب الكبير"

"الهروب الكبير" ليس أسم الفلم الشهير للمخرج "جون ستورجس "و بطولة "ستيف ماكوين" و "تشارلز برونسون"حيث وقعت محاكاة هروب جنود من الحلفاء من أسر المعتقل النّازي شديد التّحصين.

"الهروب الكبير" فلم وثائقي واقعي ينقل مباشرة على شاشات التلفاز و الهواتف النقّالة، الفلم باللّهجة المغربيّة لكن يمكن استنساخه بكلّ اللّهجات العربيّة متى توفّرت الفرصة لذلك.

اليكم بعض المشاهد الّتي علقت بذهني:


• رجل يحمل أمّه على ظهره و هو يهرول لاجتياز المعبر.

• امرأة شابّة تحتضن رضيعها و هي تزاحم الفارّين إلى أرض "النّجاة".

• شابّ يخرّ ساجدا شكرا بعد نجاحه في العبور.

• عروس و عريس ببدلتي فرحهما يصرّان على أن تكون حفلتهما بعد العبور إلى سبتة.

• قصّر و قاصرات و كهول يرفعون شارات النّصر و هم يعبرون معبر "تراخال"الحدودي بين الفنيدق و سبتة.

و في الطّريق إلى سبتة جحافل مؤلّفة أتت من كلّ فجّ، يركضون، يسبحون، يقفزون، و كلّ فارّ بجلده و كأنّ وحشا يلاحقهم ،مشهد فلم رعب كأفلام اليوم الأخير،مشهد بئيس تعيس يكشف بؤس و تعاسة ما نعيشه من واقع.

لماذا يفرّ المرء من وطنه؟

كيف صارت الأوطان طاردة لأهلها، قاتلة للطّموح والأمل و الحلم، مولّدة للبؤس و اليأس؟ كيف تحوّلت الأوطان إلى مقابر جماعية و معسكرات للّاجئين؟

قد يذهب البعض إلى القول بأنّه قد يكون هناك مٌخرج لما نشاهده و تصفية حسابات مخفيّة لأجل تأديب إسبانيا و مقايضة أوربا من قبيل بعض التّهاون و غضّ الطّرف من قبل السّلطات المغربيّة لكن أيعقل أن يكون ذلك متزامنا مع الإحتفال بعيد العرش؟

المغرب الّذي يعرض نفسه كقاطرة للتّنمية و مثالا للنّجاح في مختلف المجالات و يستدلّ في ذلك بأرقام النّمو و ارتفاع الصّادرات و يستعرض انجازاته، غير أنّ هذه الأرقام لم تمسّ سوى قلّة قليلة من المنتفعين و المستكرشين و تلك الإنجازات لم يحس بها الغالبيّة العظمى ممّن يٌستعملون كوقود لتنمية مزعومة شملت الأسفلت و الحديد و واجهات المدن البرّاقة و قصور ضواحيها و كلّ من له علاقة بالمخزن و لم تشمل الإنسان.

هذا وضع المغرب الّذي استثمر في الحجر و قلّة قليلة منتقاة من البشر فمابالك بأوطان أخرى لم تستثمر لا في حجر و لا في بشر!

لذلك فلا داعي للاستدلال بهذا الفشل ليثبت البعض نجاحه، هو فشل عام لا يستثني أحدا، فشل منظومات الحكم فيما يسمّى بالدّول الوطنيّة الّتي استبدلت الاحتلال الخارجي بالدّاخلي و عوّضت المستغلّ الأجنبي المباشر بآخر محلّي يشتغل لديه بالوكالة، و لم تفكّر في أن تستثمر في الإنسان.

إذ لا يمكن لإنسان أن يفرّ من وطنه لو عومل كإنسان.

ولا يمكن لمواطن أن يهرب من وطنه لو عومل كمواطن، حتّى لو توفّرت له فرصة الهروب ،سيكون ذلك عندما ينتزع منه فخر الانتماء، هربا من الإذلال و الفقر و القهر و التّهميش و التّمييز والبؤس و اليأس و الظّلم.

لا اعتقد أنّ من نشاهدهم يفرّون هم يشعرون بأنّهم مواطنون و يحسّون بأنّ من يفرّون منه هو وطنهم، هم يفرّون من ملجإ ضيّق عليهم أنفاسهم و أرزاقهم بحثا عن ملجإ آخر أفضل و أرحب ممّا كانوا فيه.

هم و نحن أسرى و لاجؤون في أوطاننا قد نلجأ إلى الهروب لو توفّرت لنا الفرصة كما في فلم "الهروب الكبير" .

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات