البرلمان الفرنسي يناقش إلغاء "الكود نوار" Le Code noir : هل يمحو قانون رمزي جرائم العبودية والاستعمار ؟

نظرت الجمعية الوطنية الفرنسية في مقترح قانون يرمي الى إلغاء "الكود نوار" قدّمه النّائب "ماكس ماتياسن" عن جزيرة "غوادلوب" و هي إقليم فرنسي ما وراء البحار في القارة الأمريكية معظم سكّانها ومن بينهم النائب صاحب هذه المبادرة التشريعية هم أحفاد المستعبدين الذّين أسّروا و انتزعت منهم إنسانيتهم وهجّروا قسرا عبيدا من موطنهم إفريقيا الى المستعمرات الفرنسية .

ما هو "الكود نوار" المطلوب إلغاؤه؟

هو مجموعة مراسيم ملكية كان أصدرها ملوك فرنسا بين عامي 1685 و1727 و أولها مرسوم أصدره الملك "لويس 14" وتضع هذه المراسيم في مجموعها تشريعا يخص أساسا الإنسان الأسود ويسمح باختطافه من موطنه إفريقيا و استعباده و تهجيره الى المستعمرات الفرنسية كبضاعة منقولة تعرض في سوق النخاسة للبيع و الشراء و الكراء وهو قانون مستثنى من قاعدة أساسية ولكن نظرية في القانون الفرنسي الساري وقتئذ وتنصّ على انّ الإنسان "حرّ" في التراب الفرنسي .

نظّم "الكود نوار" بقانون استعباد الإنسان الإفريقي و نظّم وضعية من استعبدوا و هجّروا الى المستعمرات الفرنسية من حيث ظروف عيشهم و واجباتهم تجاه "أسيادهم ومالكيهم" و نزع عنهم إنسانيتهم واعتبرهم بضاعة منقولة ليس لهم الحق في الملكية و ليس لهم الحقّ في الزّواج إلاّ بترخيص من "السّيد" و يولد أبناؤهم عبيدا مثلهم حتّى لو كان المولود نتيجة علاقة بين رجل حرّ و امرأة مستعبدة و للسّيد حق مطلق عليهم فيحق له التفريق بالبيع بين أفراد الأسرة الواحدة أي بين الوالدين و الأبناء أو بين الإخوة مثلا .

و ليس للعبد حق مناقشة قرارات السيد او الاعتراض عليها أو التباطؤ في تنفيذها و يتعرّض الى عقاب شديد اذا أتى فعلا يجرّمه "الكود نوار" أو يعتبره السيّد اعتداء على حقوقه مثل محاولة الفرار أو عصيان الأوامر أو التّردّد في تنفيذها و قد يكون العقاب بالجلد او بتشويه الوجه بالحديد المحمي بالنار أو بالبتر أو بالإخصاء أو القتل.

وينصّ مرسوم الملك "لويس 14" على تعميد العبيد و تنصيرهم ضمن المذهب الكاثوليكي الرّسولي الرّوماني وهو المذهب الوحيد المعترف بها في المستعمرات الفرنسية و يمنع على العبيد ممارسة طقوسهم التي كانوا يؤمنون بها و يمارسونها في قراهم بإفريقيا و يترتّب عن مخالفة المنع العقاب الذي يطال السيّد اذا كانت تلك الممارسة بعلمه أو تغاضى عنها فالمرسوم يجبر العبيد على تغيير دينهم الذي كانوا عليه قبل أسرهم و استعبادهم وانتزاعهم من إفريقيا و ترحيلهم غصبا في ظروف سيّئة جدّا الى مستعمرات فرنسا ولم تعترض الكنيسة الكاثوليكية على "الكود نوار" فهو في اعتقادها أداة من أدوات التبشير و وسلية لنشر بشارة المسيح فشرّعت العبودية و برّرتها و استفادت منها فقد كان للكنسية نفسها عبيد استغلتهم للعمل في مزارعها.

الجمعية الوطنية في البرلمان الفرنسي تصوّت لصالح إلغاء "الكود نوار"

حظي مقترح القانون حين عرضه على البرلمان بمساندة رئيس الجمهورية الفرنسية "إمانويل ماكرون" و أحزاب اليسار لاسيّما حزب "فرنسا الأبية" وبعد التّداول فيه و بإجماع النّوّاب الحاضرين الممثّلين للمختلف التّيارات السّياسية صوّتت الجمعية الوطنية الفرنسية يوم 28 ماي 2026 لصالح إلغاء "الكود نوار" لكن هذا التصويت لا يعني قانونيا إلغاءه فليس هذا التصويت غير مرحلة أولى و ضرورية في مسار تشريعي و قانوني طويل يمرّ حتما عبر غرفتي البرلمان (الجمعية الوطنية و مجلس الشّيوخ) و يمرّ اثر ذلك عبر مؤسّسة الرّئاسة ممثّلة في رئيس الجمهورية قصد ختمه و إصداره .

بعد التصويت عليه وأحالت رئيسة الجمعية الوطنية يوم 28 ماي 2026 مقترح القانون الى رئيس مجلس الشيوخ لينظر فيه المجلس فإذا صوّت بالإلغاء يحال المقترح الى رئيس الجمهورية ليصادق عليه و يأذن بنشره في المجلّة الرسمية الفرنسية بعنوان قانون نافذ يلغي "الكود نوار" و هو ما يترتّب عنه سحب "الكود نوار" من القانون الوضعي الفرنسي ليبقى بعد ذلك موضوع درس و تحليل من الباحثين بمختلف اختصاصاتهم العلمية لاسيّما التّاريخية و الاجتماعية و القانونية.

جريمة واحدة وتسميتان

تحدّث النّص الذي صوّتت الجمعية الوطنية لصالح الغائه عن "الكود نوار" بتعبيرين مختلفين هما "الكود نوار" و "المرسوم الملكي" و عرّف مشروع القانون المصادق عليه من الغرفة الأولى بأنّه النص المنطبق منذ مارس 1685 على العبيد في الجزر بأمريكا وقد تم ألغاؤه و ألغىت معه جميع الأحكام مهما كانت طبيعتها التي سنّت لتطبيقه أو لتوسيع تطبيقه الى أقاليم أخرى .

و اعترفت الجمهورية الفرنسية في هذا النص بانّ جميع النصوص التي جعلت الكائن البشري بضاعة منقولة يهجّر و يستغلّ و يمارس عليه العنف لا تنفصل عن الجريمة ضدّ الإنسانية المنصوص عليها بالقانون عدد 434 لسنة 2001 المؤرّخ في 21 مارس 2001 الذي يصنّف العبودية وتجارة العبيد بأنّهما جريمة ضدّ الإنسانية ( 1).

وعين هذا النص للحكومة أجلا قدره عام بداية من تاريخ إصداره بعنوان قانون لتقدّم الى البرلمان تقريرا يحتوي قائمة في الأحكام الموروثة عن القانون الاستعماري و التي مازالت سارية في أراضي ما وراء البحار ويستعرض هذا التّقرير نتائج تطبيقها في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و البيئية و فيما يتعلّق بالعنصرية في المجتمع الفرنسي.

و يدرس هذا التقرير نتائج هذا الإرث على أحفاد الأشخاص الذّي استعبدوا كما يقيّم المكانة المخصّصة في البرامج المدرسية لتاريخ كلّ من العبودية و تجارة العبيد و إلغاء العبودية و يقدّم مقترحات ترمي الى تعزيز تعليم هذا التاريخ في كامل التراب الفرنسي و ترمي أيضا الى تطوير البحث التاريخي وإعادة ترميم الذاكرة.

"الكود نوار" وصمة في بلاد "حقوق الإنسان"

يجدر التّذكير أنّ الثّورة الفرنسية كانت ألغت سنة 1794 العبودية في فرنسا و في أقاليمها ما وراء البحار لكن حدثت انتكاسة كبرى سنة 1802 عندما أعاد نابليون العبودية و أرسل للغرض الأساطيل الحربية الى تلك المستعمرات ثمّ ألغيت العبودية من جديد في فرنسا وفي أقاليمها بمرسوم سنة 1848 .

إنّ إلغاء العبودية في فرنسا سنة 1848 يعني مبدئيا إلغاء جميع النصوص القانونية التي شرّعت العبودية في فرنسا و في أقاليمها و من بين النّصوص الملغاة ضمنيا "الكود نوار" فقد أحدث مرسوم 1848 نظاما قانونيا يتعارض كليّا مع "الكود نوار" الذّي لم تعد أحكامه منطبقة في فرنسا و في أقاليمها .

تتعارض المبادئ الدّستورية المضمّنة في الدّساتير الفرنسية المتعاقبة بعد سنة 1848 والمؤسّسة على مبدئي الحرّية و المساواة بين جميع المواطنين مع " الكود نوار" كما تتعارض معه أيضا كلّيا و تلغيه التزامات الدّولة الفرنسية تجاه غيرها من الدّول و تجاه الأمم المتحدة و غيرها من المنظّمات الدّولية و تلغيه القوانين الفرنسية مثل القانون عدد 434 لسنة 2001 السالف الذكر الذي يصنّف العبودية و تجارة العبيد اللذين مورسا بداية من القرن الخامس عشر جريمة ضدّ الإنسانية عبر المحيطين الأطلسي و الهندي وفي الأمريكيتين و الكاراييب على الأفارقة و الملغاشيين و "الهنود الحمر" .

ما الجدوى من الغاء قانون نسخته قوانين أخرى ؟

هذا التّساؤل تبادر الى ذهن الكثيرين "فالكود نوار" ملغى تماما في التشريعات الفرنسية فلماذا طلب نواّب فرنسيون بإلغائه و لماذا صوّتت الجمعية الوطنية بإلغائه في انتظار أن يتداول مجلس الشّيوخ في مطلب إلغائه ثمّ يصوّت؟

برز هنا اتجاهان:

يقول أنصار الاتجاه الأوّل انّ "الكود نوار" لم يلغ و انّ إلغاءه رسميا بنصّ قانوني هو عمل ضروري تقر فرنسا من خلاله بخطئها مثل القانون عدد434 لسنة 2001 السالف الذكر حين أعلن أنّ العبودية و تجارة العبيد – المبيّنين بفصله الأول – هما جريمة ضدّ الإنسانية لكن لم يجرّم أحدا و وليس له مفعول رجعي.

و هناك شقّ في هذا الاتّجاه الأول لا يقف عند المعنى الرّمزي للإلغاء كما لا يقف عند المعنى الحرفي الضيّق لإلغاء نص قانوني أي سحبه من المنظومة القانونية و تجريده من قوّته القانونية الإلزامية بل يطعن في صحّة إصداره و في صحّة سريانه و هو بهذا المعنى يوسّع في مفهوم إلغاء "الكود نوار" و يعتبره نصّا باطلا منذ إصداره وأثناء سريانه و يفتح هذا التّأويل الباب واسعا لطلب التعويض و قد اعتبرت جريدة "لوموند" الرّقمية أنّ التصويت بإلغاء "الكود نوار" هو عمل رمزي ولكنه قد يكون خطوة تسبق مسألة التّعويض التّي هي ملفّ حسّاس جدّا في فرنسا .

اذن فالعمل الرمزي ليس غير مقدمة لإجراء عملي يتعلق بالتعويضات على كل الماضي الاستعماري الفرنسي وجرائمه سواء في مستعمرات ما وراء البحار أو في إفريقيا شمالا و في جنوب الصحراء .

في حين يؤكّد أنصار الاتجاه الثاني على ان "الكود نوار" قد ألغي و أنّ القول بأنّه لم يلغ هو قول لم يبن على قراءة قانونية بل بني على قراءة سياسية لتاريخ فرنسا في علاقتها بالعبودية وعلى قراءة سياسية للذّاكرة الجماعية لدى أحفاد المستعبدين الذّين هم حاليا مواطنون فرنسيون يقطن اغلبهم بأقاليم فرنسا ( 2).

وهكذا يعود الجدل القديم الجديد المتعلق بماضي فرنسا الاستعماري بين الاعتراف بالذنب وما قد يترتب عنه من إجراءات تعويضية و إنكارية مسؤولية من اليمين الفرنسي العنصري والمتطرف .

وسواء كان الغاء هذه القانون بشكل رسمي عملا رمزيا أو يتجاوز ذلك فان إعادة نظر الفرنسيين في تاريخهم - بصفة عامة في إفريقيا في شكل استعباد أو في شكل احتلال استعماري مثلما هو الأمر في الجزائر خاصة - يظل دائما محل جدل سياسي وقانوني ومعارك طاحنة بين اليسار الراديكالي واليمين المتطرف إذ لا تزال فرنسا ترفض رسميا أي اعتذار صريح عن ممارستها للعبودية في مستعمراتها ما وراء البحار قبل قانون الغاء العبودية ثم في مستعمراتها مثل الجزائر خاصة لتجنب دفع تعويضات مالية ضخمة ولتفادي الانقسام السياسي الداخلي، خاصة مع وجود تيار يميني متطرف يرفض الاعتراف بالذنب ويعتبره جلدا للذات كما تستند فرنسا إلى اعتبارات قانونية ورمزية متمثلة في التخوف من تداعيات هذا الاعتذار على صورتها كبلد الثورة وحقوق الإنسان .

ولكن هل يتجاوز الرمز ذاته ليضع فرنسا أمام مسؤوليتها القانونية والسياسية التي تفتح الباب أمام جبر الضرر والتعويض لأحفاد العبيد وأبناء ضحايا الاستعمار ؟. فالجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم .مع العلم أن إفريقيا السوداء معنية أيضا بالتعويض ما يجعل جبر الضرر عن مآسي "الكود نوار" العبودي مسالة دولية نظرت فيها منظّمة الأمم المتّحدة مؤخرا . فبمناسبة إحياء ذكرى ضحايا الرق و تجارة الرقيق ذكرت جمعية الأمم المتّحدة في موقعها أنّ دولة غانا قدّمت بمعيّة دول أخرى من بينها دول عربية هي تونس و الجزائر و جزر القمر و جيبوتي و السودان و مصر و المغرب و موريتانيا مشروع قرار أممي.

وصدر القرار عن الجمعية العامة يوم 25 مارس 2026 بأغلبية 123 دولة معلنا أن الاتجار بالأفارقة المُستعبدين واسترقاقهم واتخاذهم متاعا بمبرر عرقي هو أفظع جريمة ارتكبت ضد الإنسانية لكن عارضته الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين وامتنعت 52 دولة عن التصويت منها بريطانيا و دول الاتحاد الأوروبي.

وأقرّ الاتحاد الأوروبي انّ تجارة الرّقيق هي من ابشع المآسي في تاريخ البشرية و برّر امتناعه عن التصويت بأن توصيف العبودية في القرار باستعمال اسم التفضيل "أفظع جريمة ضدّ الإنسانية" يخلق تراتبية بين الجرائم ضدّ الإنسانية إذ لا يوجد في القانون الدولي أي تسلسل عمودي بين الجرائم ضد الإنسانية فليس هناك جريمة أشدّ فظاعة من غيرها كما لا توجد جرائم أقلّ فظاعة من غيرها فالجرائم ضد الإنسانية لها نفس درجة الفظاعة.


هوامش

1Article 1 de la loi n 434 de l’année 2001 : La République française1 reconnaît que la traite négrière transatlantique ainsi que la traite dans l'océan Indien d'une part, et l'esclavage d'autre part, perpétrés à partir du xve siècle, aux Amériques et aux Caraïbes, dans l'océan Indien et en Europe contre les populations africaines, amérindiennes, malgaches et indiennes constituent un crime contre l'humanité.

2Voir : L’ HISTOIRE Frédéric Charlin L’abrogation du Code Noir : un faux débat ? 15 Janvier 2006

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات