كيف فقدنا إنسانيتنا؟

في أوج التّخميرة، و في قمّة الانتشاء حدّ الشّبق، و مع اهتزاز الأجساد و ارتعاشها على وقع الدّبكة و نغمات الجوقة و صوت المطرب و هو يتغنّى بالجمال و بالوطن، كان جزء من هذا الوطن يحترق على المباشر.

مع صوت الطّبلة العالي و نقرات العود و نغمات الأورغ و غناء الفنان على الرّكح و صراخ الجمهور في المدارج كانت أصوات أخرى لا تسمع ابتدأت بقرمشة ثمّ بطقطقة لتكمل بأزيز ناعم.

تزامنا مع ذلك الصّخب و الضوضاء كانت أشجار الفلّين و الصّنوبر و البلّوط تستسلم لمصيرها و هي الّتي لم تتعلّم كيف تجري، و كانت ساكنة غابة الجبل تفرّ بجلودها من لهيب نار لا ترحم، اختلط ضغيب الأرانب البرّية بصرير الجنادب، بأصوات الطّيور البرّية، بعواء الذّئاب بصراخ رجال المطافئ و هم يوجّهون خراطيم مياههم الممزوجة بعرقهم في اتّجاه كتل النّار المجنونة.

هي سمفونية حزينة كتلك الّتي لغوريكي أو السّادسة لتشايكو فسكي، أكيد أنّ الّذين أتوا إلى مسرح دڨّة الرّوماني ليست لهم ذائقة الاستماع اليها .

و مع تلك الإضاءة الوهّاجة للمسرح تنضاف أخرى أشدّ توهّجا كتلك الأحزمة النّارية الّتي شاهدناها و مازلنا في غزّة و كنّا حينها و إلى حدّ اللّحظة نتأسّف ثمّ نتناسى ثمّ نتدافع في الحفلات و المراقص.

كيف نبتهج، نرقص و نردح و مصيبة تقع وراءنا و أخريات بجوارنا و الكثيرة تركناها في ديارنا؟

فكثير من الحضور تركوا بيوتهم في ظلام دامس لتوفّر لهم الإنارة حين يرقصون و لا توفّر لهم حين يعملون، بعضهم ربّما له مريض مرتبط بمركّز الأكسيجين الكهربائي، و آخرون قد يحتاجون إلى المصعد للارتماء على سرير في شقّة في الطّابق السّابع بعد أن أجهدوا انفسهم بالرّقص و الصّياح، فيصلون بعد جهد و هم يتحسّسون حائط المدرج، بعد أن شغرت بطّاريات هواتفهم لكثرة التقاطهم للحظات المجد الّتي أرادوا أن يوثّقوها، يسرعون نحو الثلّاجة ابتغاء بعض ما يسدّ جوعهم فيجدون الأكل قد تعفّن، يدخلون الحمّام فلا يجدون ماء، فيلعنون شركة الكهرباء و الماء و حتّى الوزراء ليصحوا في اليوم الموالي و يتدافعوا لاقتناء تذاكر حفلة أخرى في قرطاج لشبه مطرب جلبوه بالعملة الصّعبة الّتي لم يجدوها ليوفّروا الدّواء.

لوحة سريالية معقّدة يصعب تفكيكها، حالة من الفصام و التشوّه النّفسي الّتي تحتاج لفرويد شخصيا لتشخيصها، ما الّذي أوصلنا إلى هذا الوضع؟ من أعاد برمجة تفاعلنا الشّعوري العادي؟ كيف أصبنا بكلّ هذا التبلّد الشّعوري؟

أليس نحن من كنّا نلغي حفلة أو لا نبرز مظاهر الإحتفال حينما تقع مصيبة لقريب لنا أو لأحد جيراننا؟ فكيف إن كانت المصيبة في دارنا؟

كيف طبّعنا مع المصائب؟ مع البؤس و الفقر و الجهل و الظّلم و العبث؟

كيف نرقص مع من يتغنّى بالوطن و نحن نشاهد الوطن يدمّر أمام أعيننا؟

كيف فقدنا الإحساس؟

كيف فقدنا إنسانيتنا؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات