إنّي أبحث عن إنسان

"جان" كلبة من فصيلة "البيكينواز" جميلة، ظريفة، و رشيقة، رائعة روعة ما يرسمه صاحبها يوسف و ما يوحيه هذا الاسم من جمال.

جان بإمكانها أن ترسم على صفحة وجهك ابتسامة غصبا عنك و أن تفتكّ منك ضحكة صارت شحيحة هذه الأيّام كندرة السكّر و القهوة و الإخلاص و الصّدق.

كم كنت أتمنّى أن تكون لي كلبة مثلها لكنّي أعلم أنّ ذلك من المستحيلات ،فزوجتي لن تقبل بذلك بعد أن تحقّقت معجزة قبولها بوجود قطّنا "فيليپ" و هو الّذي تحوّل في بيتنا إلى ملك و لا أظنّه يقبل بمن سيشاركه ملكه!

تذكّرت جان و أنا اقرأ تعليقا لأحدهم، من لاعقي أحذية أيّ نظام و من عاشقي الإذلال و القمع، على منشور يوضّح و ينتقد حالة التّعاسة الّتي نعيشها، بأن كتب"الكلاب تنبح و القافلة تسير"، و لا أعلم عن أيّ قافلة يتحدّث ،ربّما عمّن أقفل كلّ مجالات الأمل في غد مشرق و العمل الحرّ في وطن حرّ حيّ بمواطنيه أو أقفل أيّ طريق يخرجنا من الأزمة لتستفحل و تزداد تأزّما، كما أنّه لا يعلم أنّ وصف المخالفين المنتقدين للواقع بالكلاب لا يعتبر في الحقيقة شتيمة، فقد سبق أن وصف تلميذ سقراط "أنتيستنيس" بذلك نتيجة لصراخه في وجه المجتمع الفاسد ليتخلّى عن حماقاته، و هو من يعتبر أنّ الفضيلة و الحرّية ضروريّتان من أجل التحرّر من عبوديّة الرّغبة، إلى درجة أن سمّيت فلسفته الرّواقية بالكلبيّة!

ثمّ إنّ الكلاب جميلة و لطيفة و تتّصف بما لا يتّصف به بعض البشر: الوفاء و الإخلاص، و التّجاوب العاطفي و القدرة على إنجاز بعض المهمّات بدقّة و تفان و القدرة على اكتساب مهارات جديدة!

هذا و أولئك و هم كثر، من منتوج آلة الاستبداد و الإذلال وهم في نفس الوقت وقودها ، لا يمكن كذلك تسميتهم بالمواطنين الكلاب كما يذهب البعض لغياب الصّفتين شكلا و مضمونا.

ولفهم ظاهرة هؤلاء الّذين تعوّدوا على العبودية إلى حدّ الإدمان و الهاربين من الحرّية كما يقول ايريك فروم (لأنّها أصبحت عبئا لا يطاق ،ولأنّها مسؤولية و تتطلّب جهدا و إرادة و قدرة على الفعل ) من الأجدر العودة الى ما قال فيهم ابن خلدون منذ قرون، و كذلك إلى ما استنتجه فرويد حول الجرح النّرجسي النّاشئ من احباطات متكرّرة تمسّ الأنا في تقديرها لذاتها بما يسقطها في الشّعور بالدّونية و في سياقات التخلّف و القهر المنهجي، و الّذي انطلق منه فرانز فانون ليخرج بخلاصة أنّ هذا الجرح يمكن أن يكون نتاجا هيكليا يفرضه النّظام السّياسي القمعي أو الاستعماري، و هو يزداد تعمّقا عبر آليات الإذلال الدّاخلي و الخارجي.

و قد بيّن لنا الدّكتور مصطفى حجازي في توصيفه للظّاهرة في كتابه"سيكولوجية الإنسان المقهور"حيث يحاصر الفرد بين الاستبداد و التخلّف ،فيسلب من إرادته و فاعليته و يدخل في مرحلة الرّضوخ و الامتثال بل يتماهى مع دونيّته و يستبطن عجزه كقدر محتوم و يتبنّى قيم السّلطة المستبدّة متوهّما خلاصا فرديّا قد يجزى به.

ولعلّ الأخطر في كلّ هذا أنّ الإنسان المقهور في المجتمعات المأزومة المقهورة يتحوّل إلى مدافع صلب عن آليات قهره و يصبح مقاوما شرسا لأيّ تغيير.

و كما قال الكواكبي في طبائع الاستبداد:"و قد يبلغ فعل الاستبداد بالأمّة أن يحوّل ميلها الطّبيعي من طلب الترقّي إلى طلب التسفّل، بحيث لو دفعت إلى الرّفعة لأبت و تألّمت كما يتألّم الأجهر من النّور، وإذا ألزمت بالحرّية تشقى و ربّما تعاني كالبهائم الأهليّة إذا أطلق سراحها".

هذا ما قيل في المجتمعات الإنسانية المقهورة و الّتي تظهر قابليّة لقهرها وإذلالها و استعبادها، و ما لم يقل في المجموعات الكلبية المختلفة.

قديما كان ديوجين يتجوّل بفانوسه في وضح النّهار فيسألونه لم تفعل ذلك فيجيب:"إنّي أبحث عن إنسان".

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات