بين زهد البصري وفلسفة الغزالي، وواقعية الشاذلي تتجلى حقيقة الصوفية المفتري عليها

بين ثوابت العقيدة وأفكار فلسفية تشغل العقل بآراء وتساؤلات تأملًا في الوجود، وبين واقع مادي بحت لا يعترف بالروحانيات، هنا تظهر الصوفية بين تلك وذاك .

فما هم الصوفيين

فهل هم دراويش منعزلون؟ أم مشعوذون؟ أم أنهم جماعة دينية كغيرها؟" فالصوفية دائما عرضه لخلط غير صحيح الحقيقية أن الصوفية ليست جماعة سياسية ولا مذهبًا مغلقًا، بل هي طريق روحاني داخل الإسلام .

أولًا: ما هو التصوف أصلًا؟

التصوف في جوهره نزعة روحية تهدف إلى تزكية النفس، وتهذيب القلب، والوصول إلى مقام أعلى بحب الله ،وخوف شديد من الفتنة، وتخلى عن الكِبر والأحساس بقرب الله في كل شيء لكن عبر التاريخ ظهرت لها اتجاهات مختلفة في الأسلوب لا في الأصل.

التصوف الزاهد (التقشّفي) مثل الأمام الحسن البصري وإبراهيم بن أدهم وكذلك رابعة العدوية.

هذا الاتجاه كان يركز على الزهد الشديد في الدنيا كثرة العبادة والخلوة تقليل الاختلاط بالناس وبعض العامة في زماننا يطلقون على من يميل لهذا الشكل وصف "مدروشين" — لكن هذا النوع من التصوف في حقيقته هو نزعة زهد روحية، وإن كان أحيانًا ينحرف عند بعض الأفراد إلى مبالغة أو انقطاع غير متوازن. عن الدنيا وترك العمل والجد في الحياة ولكنه أصبح نادرا فى عصرنا الحالي فعرف فى بداية الإسلام .

بداية الصوفية ظهرت بعد عصر الصحابة، تقريبًا في القرن الثاني الهجري، كرد فعل على:

انشغال الناس بالدنيا والمال وبعدهم عن الروحانيات فظهر بعض من الناس قرروا يعيشوا ببساطة وزهد، ولم يبقى منه غير تقليد غير مبنى على أسس روحانية حقيقية أما التصوف العملي المتوازن هنا يظهر أبو الحسن الشاذلي.

من هو أبو الحسن الشاذلي أنه عالم من أعلام الصوفية ولد في المغرب وعاش معظم حياته في تونس ومصر وأنشأ مدرسة صوفية متشعبة لازال أتباعها وتلاميذها ينتشرون في مختلف أنحاء العالم الإسلامي ويكونون فرق صوفية كثيرة تشعبت عن الفرقة الأصلية التي أنشأها ونسبت إليه وهي الفرقة الشاذلي فكان له طرح مختلف نسبيًا: الصوفي لا يترك العمل لا يعتزل المجتمع لا يتكلف الفقر إن لم يُكتب عليه

يعيش في الدنيا ويخوض معارك الحياة لكن قلبه غير متعلق إلا بالله أي تكون الدنيا فى يده وليس في قلبه إلا الله ولذلك انتشرت طريقته بين العلماء والتجار وأهل الحِرف.

أما الفلاسفة الذين انكر جزء منهم وجود الله هنا جاءت تجربة أبو حامد الغزالي وهي أوضح دليل على أن الصوفية لم تكن هروبًا من العقل، بل اكتمالًا له."

أُبُو حَامِدِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الغَزَالِيُّ الطُوسِيُّ أحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري نشأ في "الطابران" بمدينة طوس (إيران حالياً) عام 450 هـ. كان والده يعمل في غزل الصوف، ويحضر مجالس العلماء،

رحلته الي التصوف

في أوج شهرته، مر بأزمة روحية ونفسية (شك فكري) أدت به إلى ترك التدريس في بغداد، والخروج إلى دمشق وبيت المقدس للتصوف والزهد ومجاهدة النفس، قبل أن يعود إلى طوس للتصوف والعبادة حتى وفاته .

كان فقيهاً وأصولياً وفيلسوف وكان صوفيّ الطريقةِ، شافعي المنهج عاش تقلبات فى حياته الي أن انتهى بالصوفية ليرد على الفكر الفلسفي الناكر لوجود الله أو المتعدي على الثوابت الدينية

فالغزالي لم يكن مشعوذًا ولا خارجًا عن الدين بل عالم كبير انتهى إلى أن الصوفية هي جوهر الدين لا انحراف عنه . الغزالي لم يكتفِ بالنقد العقلي بل شعر أن العقل وحده لا يكفي للوصول للحقيقة فبدأ رحلة روحية… وانتهى إلى الصوفية .

كيف قدمت الدراما التصوف

الدراما فعلًا لمست جوهر الصوفية، ولكن ليس بشكل مباشر، وغالبًا بشكل رمزي أو روحي أكتر من كونها توثيق تاريخي دقيق.

من أهم الأعمال التي قدمت الصوفية فيلم رابعة العدوية ومؤخرا في الألفية كان مسلسل الخواجة عبد القادر وهو من أجمل وأوضح الأعمال اللي تناولت الصوفية بشكل روحاني مبسط قام ببطولته الفنان يحيى الفخراني.

بيحكي عن رجل أجنبي عاش في صعيد مصر في زمن الأحتلال البريطاني كان سكير ورافض للحياة الي أن قابل شيخ صوفي اسمه عبد القادر ثم بعدما اسلم سمى نفسه على اسم شيخه فأصبح الخواجة عبد القادر المسلسل هنا بيعرض الصوفية كـرحلة بحث عن الحقيقة فيه تأمل، وعميق ولكن هل المسلسل فكرة خيالية أم حقيقية لشخص كان له وجود …

الأجابة

نعم، مسلسل "الخواجة عبد القادر" مستوحى عن قصة حقيقية لمهندس ألماني ليس بريطانياً كما في المسلسل يُدعى "جوليوس ماركتوني "اعتنق الإسلام وتصوف، وعاش في صعيد مصر والسودان، حيث بنى خلوة للعبادة بمنطقة دراو، ثم توفي في السودان،

يبرز المسلسل ما مر به عبد القادر من أزمات نفسية ووجودية بعد الحرب العالمية الأولى، ثم وجد السلام في الإسلام و التصوف.

أما الشيخ الصوفي الحقيقي هو الشيخ عبد الباقي المكاشفي" في السودان الذى أصبح الخواجة مريداً له.

ويقال أن الخلوة التي بناها على شاطئ النيل في قرية بمبان بمنطقة دراو بأسوان حقيقية و إنها ما زالت موجودة، وكان أهل المنطقة يعتبرونه ولياً صالحاً. ولذا حافظوا عليها .

فالمسلسل لم يهدف إلى توثيق السيرة الذاتية لخواجة اعتنق الإسلام، بل طرح تساؤلات إنسانية عن الحب الإلهي والتصوف.

الخلاصة:

الصوفية هي طريقة في الإسلام تركز على تصفية القلب والتقرب من الله ليس فقط بالعبادات الظاهرة، بل بالتخلي عن الكِبر ٠ والمغالاة، بل الزهد في الدنيا؛ أي أن الحياة تجربة روحية عميقة، وليست مجرد متع دنيوية زائلة.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات