و لمعت سبّورة النّتيجة لتعلن على أعرض هزيمة للمنتخب التّونسي في تاريخ مشاركاته في كأس العالم، لن تكون حسب ما يبدو مشاركة من أجل المشاركة بل فرصة لإثبات بديهيات منطقية لا ينكرها عقل.
هل تنتظر من نفس الأسباب أن تكون لها نتائج مغايرة؟
هزيمة كرويّة على أرضيّة اللّعب كان يراد لها أن تكون نصرا وهميّا لإخفاء هزائمنا المتتالية في الواقع، جرعة مورفين لتسكين آلامنا و تعميق تغييب وعينا و بالرّغم من ادراك بعضنا لذلك فإنّنا تألّمنا كثيرا للخسارة خصوصا أنّها كانت مخزية و مذلّة و كشفت لنا عن حقيقة حجمنا و قتامة وضعنا، و لعلّ النقطة المضيئة الوحيدة في المباراة أنّ شابّا تونسيّا سويديّا سجّل في مرمانا هدفين و قد يسجّل أهدافا أخرى في المباريات القادمة و يصبح هدّافا للدّورة، و ما العيب في ذلك و نحن دوما ما نسجّل ضدّ مرمانا في كرة القدم و في غيرها من الألعاب و في مجالات الجدّ أيضا.
• هل كان للشّاب الخلوق ياسين العيّاري فرصة لأن ينجح لو اختار أن يتقمّص زيّ فريقنا؟
• كيف له أن ينجح دون توفير أدنى مقوّمات النّجاح و الأسباب الموضوعيّة لذلك؟
• كيف له أن ينجح دون إدارة رشيدة و عمل دؤوب و تخطيط حكيم؟
• كيف له أن ينجح مع تغييب العقل و هيمنة العبث في وطن يطرد كفاءاته و مواهبه و يسجن عاشقيه و يحتفظ بأسوأ ما فيه ؟
ثمّ بربّك أيّها "الوطنجي" من تسارع في تخوين الآخرين تماما كالتكفيريين، لو توّفرت لك فرصة الاختيار بين أن تكون مواطنا في وطن حيّ بمواطنيه، يحترمك و يضمن لك حقوقك في حياة حرّة كريمة في بلد مثل السّويد، أو أن تكون فردا في قطيع في مزرعة أو مجرّد رقم في السجلّات المدنيّة بلا قيمة و لا معنى كما في بلداننا العربية فماذا كنت ستختار؟
ياسين العيّاري لاعب فريق السّويد ليس الموهبة الوحيدة الّتي طردتها أوطاننا، هناك ياسين العيّاري الأكبر سنّا، ابن شهيد ،مهندس إعلامية ترك مشروعه النّاجح في فرنسا و عاد إلى تونس في بداية الانتقال الديمقراطي للمساهمة في بنائها و دخل البرلمان المنتخب السّابق و ادخل معه طرقا مستحدثة في العمل البرلماني ليطرده وطنه الّذي عاد لأجله مع تهمة التّآمر على أمن الّدولة.
كم من ياسين عيّاري يوجد فيك يا وطني؟
شاهدوا جامعاتهم و مستشفياتهم و مصانعهم و شركاتهم و ملاعبهم لتكتشفوا كم من ياسين عيّاري يوجد لديهم ،ليزدادوا تقدّما و لنستمّر نحن في الانحدار في قاع بلا قاع.
ليس بالخطابات الفارغة الممجوجة الجوفاء تحلّ الأزمات، و ليس بالتّخوين و الالتجاء الكسول إلى نظرية المؤامرة و اختلاق الأعداء، و ليس بالعبث و تغييب العقل واستحضار الذكريات، و ليس بنشر الكراهيّة و الحقد و الشماتة و العنف يتمّ التّشييد و البناء و ليس بالقمع و خنق الحرّيات، لن تفيد مثل هذه الأدوات و أن تؤدّي إلا لمزيد من طرد المزيد من القوّة الحيّة لهذا الوطن إلى حدّ أن لا يبقى فيه سوى الأموات.