توقّفت عن الكتابة و الخوض في الشّأن العام منذ مدّة ليست بالقصيرة خصوصاً أنّ بعض الأفكار الّتي تراود عقلي الّذي سجنته في زنزانة انفرادية قد تجعل محكمتين من قارّتين مختلفتين تصدر في حقّي حكما بمؤبّدين و عقود من السّجن و سنوات من المراقبة الإداريّة بعد عذاب القبر.
عقلي المشاغب اقنعني أخيرا بالتنفيس عن نفسي و الكتابة في مجالات أخرى بعيدا عن دائرة الممنوعات و المحرّمات و اقترح عليّ أن أدلي بدلوي في الشّأن الرّياضي وخصوصا كرة القدم بما أنّنا على أبواب مشاركة منتخبنا الوطني في مونديال 2026 فاستجبت له و انخرطت في الخوض مع الخائضين.
كان السّؤال المحوري و الحارق لدى الجمهور العريض الّذي أسال الكثير من الحبر هو من سيكون الحارس الأوّل للمنتخب الوطني في مقابلته الأولى ضدّ السّويد و كأنّنا وجدنا حلولا لجميع المراكز! و أرى أنّ طرح هذا السّؤال خبيث و مطبّة و لا يجوز طرحه و الحمد للّه أنّ الجامعة التونسية لكرة القدم قد انتبهت للأمر و حسمت المسألة بإهدائها القميص رقم واحد للزّعيم القائد الواحد و حسنا فعلت لمنع التأويلات و صيد المتآمرين في مياهنا الصافية.
ففي المنظومات الكليانية الفاشية الشّعبوية لا يوجد سوى فرد واحد، هو الزّعيم و هو القاضي و هو الشّرطي و هو الصّحافي و هو الفنّان و هو الرّياضي و هو الوطن و هو الوطنيّة، و هكذا تصبح مجرّد هزيمة كرويّة أزمة أمن قومي فيقع استدعاء الفريق لشحنه بالوطنيّة و تشجيعه و القطع مع ثقافة الهزيمة و الكتابة في سبّورة التاريخ، نعم و لم لا؟
أليست هذه جولة من حرب التّحرير حتّى و لو كانت في ميادين اللّعب بعد أن خسرنا جميع معاركنا على أرض الواقع؟ ما لمانع في أن يستقبل الزعيم القائد أعضاء المنتخب الوطني و يخطب فيهم مع أنّ غالبيتهم كانوا يحتاجون لمترجم حتّى يفهموا معنى الكلمات؟ و ما ضرورة أن يفهموا المعنى في ظلّ هيمنة العبث و اللّامعنى و غياب العقل؟
في هذا المشهد السّريالي السّوداوي العبثي صار الجميع يبحث عن متنفّس و لو بمطاردة فرحة وهمية زائفة بنصر في ميدان اللعب بعد عجزنا عن تحقيقه في ميادين الجدو لا أدري لماذا يستكثرون علينا حتّى مجرّد الحلم؟ دعونا من كلّ هذا حتّى لا نخرج عن موضوعنا الرّياضي البحث:"من ترى أنّه يستحقّ حراسة مرمى المنتخب الوطني التونسي في منافسات كأس العالم القادمة؟