بعد حادثة الفيديو الذي يجسّد "الجريمة العنصرية الكاملة":

من أين جاءت كل هذه العنصرية البدائية المتوحشة إلى المجتمع التونسي "العربي المسلم" والعالمثالثي المتخلف الذي يعاني هو نفسه من العنصرية ولم يمض على تحرره من الاستعمار العسكري الأجنبي المباشر زمن طويل؟ استعمار كان قد برر هو أيضا جريمته الاستعمارية بذرائع عنصرية (التونسيون عرب همّج ويجب نقلهم إلى الحضارة بالقوة، ولأنهم لن يصيروا بشرا كاملين أبدا يجب الاستمرار في استعمارهم)؟

هذه محاولة إجابة "ذاتية" :

* منذ طفولتي فتحت عينيّ في محيط قروي محافظ و"متدين شكليا" ولكنه يستعمل في لغته اليومية قاموسا مليئا بالنعوت التمييزية والتحقيرية تجاه التونسيين ذوي البشرة السوداء ويعتبرهم كائنات دونية.. و"سلالة عبيد".

ورغم أنه من النادر جدا أن تجد أحدا من محيطك يعترف علنا بأنه أرقى من ذوي البشرة السوداء.. فإن أغلب الناس استبطنوا فكرة التفوق العرقي.. ومن المستحيل أن يزوّجونهم أو يتزوجوا منهم!

(كل أبناء جيلي يعرفون تجربة صديقنا أسود البشرة الذي استضفناه، خلال المرحلة التلمذية، في مقهى القرية فلم يستطع البقاء أكثر من بضع دقائق بسبب عيون كل رواد المقهى المصوّبة نحوه وكأنهم يرون كائنا فضائيا، لأن العرف القروي كرّس "ديمغرافيا النقاء العرقي"!.).

مع العمر والتجربة عرفت أن تلك الثقافة القروية التي عشتها هي ثقافة منتشرة في كل جهات البلاد، وإن بدرجات..! يعني أن العنصرية ثاوية فينا منذ زمن لا نستطيع تحديده!

* المدرسة العمومية كانت الجسر الأول الذي صهر اختلافاتنا الشكلية ومكننا من تجاوز "جريمة العنصرية". وعن نفسي أذكر أن تجربة "التديّن الحركي" في شبابي الأول رسّخت في داخلي فكرة المساواة بين الناس بكل تنوعهم الطبيعي، بل وقداسة الإنسان.. كل إنسان.

ومع العمر والقراءة والتفكير، اعتنقت العقلانية.. فصارت المساواة عندي بداهة فكرية ومسلّمة عقلية/أخلاقية. وصار التمييز التفاضلي بين البشر على أساس اللون أو الدين أو الجنس أو الجهة.. (المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) جريمة تُخرج صاحبها عندي من "الإنسانية" تماما..!

* المجتمع التونسي الآن تعطّلت فيه محرّكات ثلاث:

المدرسة والدين والعقل.

مجتمع أمي في عمومه! ونسبة المنقطعين عن الدراسة من التونسيين مرعبة فعلا. والمدرسة العمومية خلال العقود الأخيرة تعطلت تقريبا في مجال التربية على التفكير والعقلانية (الاستثناءات موجودة طبعا.. لحسن الحظ!) وخرّجت جيلين تقريبا من أشباه المتعلمين أو من تقنيّي المعرفة لكن سطحيّي التفكير!

وأجزم أن النموذج السائد الآن للفرد التونسي غير مؤهل مطلقا لإنتاج مجتمع عقلاني ولو في الحد الأدنى!

أما التديّن التونسي فحدث ولا حرج! التدين التونسي هو عبارة عن تقليد اجتماعي طقوسي متوارث بشكل آلي لا واعٍ. وحتى التدين السياسي/الحركي الحماسي والاحتجاجي الرافض للواقع والذي يبحث له عن بديل في نموذج تاريخي بعيد متخيَّل فهو يتقاطع جدا مع التدين الطقوسي في نصّيته وجموده.. لذلك كلاهما لا يعصم من العنصرية.

ويمكن أن تجد متدينين كثرا منخرطين في الموجة الحالية للعنصرية المجرمة.

استنتاج: كل شروط الجريمة العنصرية متوفرة في الفرد التونسي. ويكفي أن توجد "جهة" لها مصلحة في إثارة هذه النعرة البدائية كي تنجح في تحويل قطاعات كبرى من مجتمعنا إلى قطعان عنصرية مجرمة.

وأنا الآن أميل إلى أن تأجيج الجريمة العنصرية وتغذيتها بالأخبار الزائفة والمبالغات والتضليل هو عمل منظم يوظف بذكاء العاهات التكوينية الكامنة في لا وعي المجتمع التونسي.. والغاية هي خلق مناخ شعبوي ديماغوجي يمنع نشأة السياسة العاقلة!

والحل؟

الحل بسيط جدا.. نحتاج مجتمعا جديدا.. تبا!

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات