الأحادية الجديدة

ما كان متوقعا حدث، فقد تحولت مادة من قانون الانتخابات إلى أداة لتصفية قوائم الراغبين في الترشح من "المزعجين" و"المشوشين"، وبصرف النظر عن النتيجة النهائية فإن ما يجري اليوم يعكس حقيقة نظام الحكم في الجزائر وهندسته.

تقدم لنا هذه التجربة درسا بليغا عن الهوامش المتاحة أمام ما يسمى "التغيير من داخل المؤسسات".

لسنا بحاجة إلى التذكير بأن البرلمان الحالي هو الذي مرر القانون بمادته موضوع الجدل، وهذا يفرض استخلاص النتيجة الأولى الأهم وهي أن برلمان "الجزائر الجديدة" الذي جاء ليضع الأسس القانونية للنظام الجديد عجز عن أداء مهمته، وهذا دليل صريح على أن التغيير الذي كان يعد به دعاة الانتخابات لم يحدث، وسواء كان بعض النواب قد صوتوا ضد المادة أو طالبوا بإلغائها أو تعديلها وجعلها أكثر وضوحا وأقل قابلية للتأويل والاستغلال، كما يقتضيه أي قانون، فإن ذلك لا يغير من الخلاصة التي تخبرنا بأن التغيير من داخل البرلمان أمر غير وارد.

لا يمكن فهم ما يحدث في الساحة السياسية من خلال التركيز على القوانين أو حتى على قراءة الأرقام الخاصة بقواعد الأحزاب أو الأصوات التي حصلت عليها في انتخابات سابقة، فكل هذه التفاصيل تصبح بلا قيمة إذا لم يتم وضعها في سياق رؤية النظام للحكم والدولة.

تقوم هندسة النظام السياسي في الجزائر على الاحتواء، فالمطلوب استقطاب كل القوى السياسية التي لديها قدرة على تجنيد المجتمع وتنظيمه، ويتم ذلك من خلال الإطار القانوني الذي يجري تطويره في كل مرة لاستيعاب ما يجري في المجتمع من تحولات قد تدفع إلى السطح بأشكال جديدة من النضال والسعي إلى التغيير، ومن خلال تكريس توازنات داخل المجتمع تقوم على استعمال كل موارد الدولة للحفاظ على الوضع القائم.

لقد تعرض النظام السياسي إلى امتحان عسير بعد الخامس أكتوبر 1988 وكاد يفقد السيطرة على المجتمع، وتحولت التعددية، حسب قراءة السلطة، إلى خطر يجب احتواؤه خاصة بعد نتائج الانتخابات المحلية ثم الدور الأول من تشريعيات 1991 والنتائج التي ترتبت لاحقا عليها ( وقف المسار الانتخابي ثم بداية الأزمة الدموية في التسعينيات ) وقد جاء دستور 1996 بما اعتقدت السلطة انه صمام أمان ( برلمان بغرفتين) وعلى المستوى السياسي تم تشكيل أحزاب سياسية خاضعة للسلطة تكون مهمتها منع حدوث مفاجآت غير سارة، ومع ذلك لم ينجح النظام في تجديد نخبه وأساليب عمله واضطر إلى تزوير الانتخابات لتشكيل برلمان على المقاس.

كل التعديلات التي عرفها الدستور منذ 1996 إلى اليوم كانت تقوم على فلسفة الاحتواء، وجاءت القوانين الأخرى التي تنظم النشاط السياسي والنقابي لخدمة هذا التوجه، وما جرى مع القوانين التي مررها البرلمان خلال العهدة المنقضية يؤكد أن القوانين لم تكن مصاغة من أجل تعزيز أسس الدولة وضمان استقرارها لعقود طويلة في المستقبل، بقدر ما تم التعامل معها كأدوات لتسيير نتائج خيارات سياسية.

لماذا يبدو الأمر أكثر تطرفا هذه المرة؟

قوة الهزة التي مثلها الحراك الذي ضرب أركان نظام الحكم وأثار مسألة الشرعية بطريقة لم يسبق أن طرحت بها منذ الاستقلال، جعل احتواء الحراك ومنع عودته بأي شكل من الأشكال أولوية مطلقة للسلطة جندت لها كل الوسائل، وهكذا وضعت القوانين الأكثر تشددا التي تجرم العمل السياسي الحقيقي، وتجعل السعي إلى التنظيم مجازفة خطيرة، ووصل الأمر إلى حد تجريم السعي إلى التغيير من خارج قواعد اللعبة التي فرضها النظام من خلال قوانين تمت صياغتها وفق مبدأ الاحتواء، كما جرى التضييق على الحق النقابي وهو يحتضر حاليا.

لقد بدأ الأمر بغلق وسائل الإعلام، والسعي إلى السيطرة المطلقة على منصات التواصل الاجتماعي، وقمع المعارضة السياسية، وتقييد النشاط النقابي، وهو يسير الآن رأسا نحو فرض أحادية صريحة لا تسمح بأي نقد أو معارضة حتى من داخل المجالس المنتخبة، وفي هذه الحالة سيكون على الأحزاب السياسية التي اختارت "المشاركة" منذ ثلاثة عقود أن تقبل بالدور الجديد المطلوب منها وهو "تأطير" المجتمع كما كانت تفعل المنظمات الجماهيرية التي كانت تنشط تحت سلطة الحزب الواحد.

لا تبدي السلطة أي اهتمام بالحفاظ على جسور مع المجتمع، فأولوية الاحتواء تسيطر على تفكيرها، وهو ما قد يدفع إلى فقدان السيطرة بدل تعزيزها، وإذا كانت هناك نية في تعزيز قوة الدولة وضمان استمرارها في عالم تتعاظم فيه المخاطر، فلا مفر من التفكير في السير على طريق آخر أكثر أمانا.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات