هكذا يتحوّل الشّاعر إلى مجرم…

الطّفلة الإفريقية التي أرادت أن تبيعني كيسا بلاستيكيّا فجبرت خاطرها واقتنيته منها كانت تحتاج شاعرا عظيما مثل لويس أراغون ليصف ابتسامتها تلك اللّحظة ، اتّساع عينيها السّوداوين، صوتها وهي تجيبني حين سألتها عن البلاد التي جاءت منها: سيراليون، أو حين قالت بقناعة دون أن تنظر إلى الدراهم في كفّها: شكرا.

كانت تحتاج شاعرا في قيمة ليوبولد سيدار سنغور ليصف لمعان بشرتها والضّوء ينبعث من بين أسنانها والحياء في وجهها الذي يشبه شمسا افريقيّة. كانت تحتاج الشّاعر السّوداني محمد الفيتوري ليجثو على ركبتيه ويهتف كما فعل: أيّتها السيدة السوداء العظيمة التي أجثو على ركبتي لأتطلع إلى عينيها وجراحاتها.. كانت تحتاج شاعرا حقيقيّا ليقول إنّها طفلة وأنّ الأطفال هم روح العالم.

كانت تحتاج..

لكن، هنا، في البلاد التي لجأت إليها لتحيا، ينشغل " شاعر" بقتلها عبر تسميمها، وبقتل أمّها عبر تسميمها أيضا، ليبيد عرقها عن آخره، بما أنّها في نظره، في نظر " الشّاعر " هنا، تشكلّ خطرا ديمغرافيّا وسياديّا وجماليّا أيضا، وربّما هي تشكّل خطرا على الهواء الذي يتنفّسه، رغم أنّ الشّاعر عادة، أقول الشّاعر، لا من يتمعّش من سوق الشّعبويّة المفتوح ليطرح سلعته العنصريّة الكاسدة على الرّصيف، الشّاعر الحقيقي يعتقد أنّ الهواء، هواء اللّه، هو المشترك الأدنى بين البشريّة جمعاء، وأنّ الحدود ليست سوى أكاذيب حديثة للهيمنة وسجن الإنسان في مفاهيم واهية.


…

هكذا يتحوّل الشّاعر إلى مجرم، تماما كما تحوّل كارلوس ماريا بوكانيغرا من شاعر وسياسيّ إلى قاتل دمويّ، وهو هنا في حالة شاعرنا بائع سموم تُطبّع مع العنف وتستبيح القتل وتغذّي الغرائزيّة والكراهية والاستمتاع بإيذاء الآخر.

شعراء الغلبة المتمعّشون من كلّ شيء، يغيب عنهم أنّ الشّعر الحقيقي هو ما يجعل العالم قابلا للسّكن، بقبول الضّعف الإنسانيّ ورفض الإهانة واستباحة الإنسان.

وسينتهون كما ينتهي كلّ القتلة.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات