قبل أن نتحدث عن رمي المهاجرين في البحر أو الصحراء من حيث جاؤوا،

أحد ضحايا التحريض على مهاجري جنوب الصحراء دعا هنا إلى كثرة التناسل لمواجهة أسطورة التغيير الديموغرافي، الحكاية كبرت وتجاوزت حدها إلى درجة الهستيريا والهذيان الجماعي والحديث عن غزو منظم وهي حالة تقوم على جملة من الأكاذيب الحقيقية كما سأبين لكم.

في الأزمات الكبرى مثل الغلاء والبطالة والأوبئة، يلجأ الناس غريزيا إلى الانغلاق والخوف من نقص أو نفاذ الموارد أو تقاسمها فيتهمون الغرباء بأنهم هم السبب، تذكرت رواية "الطاعون" للكاتب ألبير كامو (وهران 1947)، عندما انتشر الطاعون في أوروبا في القرون الوسطى، اتهمت الغوغاء الغرباء بنشر الوباء، تفهمها الآن في تونس بعبارة "كنا لاباس" عندنا الخيرات الكل بأسعار معقولة قبل أن يداهمنا "الآخرون" الغرباء والمختلفون ينتهكون المخاوف الشعبوية التاريخية: أموالنا وغذاؤنا ونساؤنا، قبل أن يكشف آخرون الصورة النمطية القديمة: "نحن بلد فقير لا يمكن أن يتحمل مآسي الآخرين" أي الخوف عند الأزمات من نقص الغذاء، لكن، للجواب الخاطئ على الخوف من مشكلة حقيقية تخصنا فقط، لابد من اختراع حكايات جرائم مروعة ضد الضعفاء: النساء والأطفال والآباء العائدين إلى عائلاتهم برزق صغير من العرق والنزاهة، يفتكه منهم الغرباء المتغولون المختلفون لونا وثقافة على حساب أصحاب الأرض الشرفاء، يحملون سيوفا، يتحركون في مجموعات منظمة…

مرة في نقاش هنا مع أستاذ تعليم ثانوي، ابن جامعة منوبة الشهيرة، سألته عن عدد الأفارقة في تونس، قال لي واثقا: "أكثر من مليون..."، آخر الحوار: "أنت لست صحفيا أصلا، أنت الوحيد الذي لا يعرف..."،

آخر رقم قرأته عن مصدر مطلع هو 63 ألف مهاجر غير نظامي من جنوب الصحراء، المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يتحدث عن 80 ألف مهاجر غير نظامي من أجل الوصول إلى أوروبا فقط، دول أخرى دفعتهم إلينا ونحن منعناهم من الهجرة. وزارة الداخلية تمتلك الرقم الحقيقي كما تمتلك الأجوبة حول طريقة وصول آلاف الناس إلينا دون أن تمنعهم الدول التي مروا بها، لكنها لا تتكلم، منذ أسابيع تشن حملة عليهم في صفاقس وترحل من أمكن منهم. المشكلة ليست مشكلة تونس، في أزمة مخيم الشوشة تصرفنا بحكمة حين تركنا المنظمات الأممية وشركاءها في تونس يتصرفون في السيطرة الإنسانية على الهجرة والإنفاق على المهاجرين وتنظيم رحلات عودة طوعية لمن يريد، حين لا يجد هؤلاء ما يأكلون، سوف يطلعون إلى الشارع للعمل، ستدفع الحاجة بعضا منهم إلى الإجرام، سيتناسلون سواء بالغريزة أو طلبا للحق المؤقت للولادة على الأرض وفق القانون الدولي،

إسبانيا فيها أربع مرات عدد سكان تونس، قامت مؤخرا بمنح الإقامة لنصف مليون مهاجر، 60 بالمئة منهم من جنوب الصحراء، دون أن يصرخ أحد "إنه غزو أفريقي سيغير التركيبة السكانية للإيبيريين الأشراف"،

قبل أن نتحدث عن رمي المهاجرين في البحر أو الصحراء من حيث جاؤوا، تذكروا أن المهاجرين أكثر ذكاء منا، لا تستطيع الدولة أن ترحل شخصا لا تملك أدلة على جنسيته ودولته وموافقتها على استقباله، تذكروا أن بلادنا أمضت على قوانين إنسانية دولية، إن نقضتها فستجد نفسها في حالة عزلة مدمرة دون اعتبار النتائج الكارثية لحضور ممثلي بلادنا في أي بلد إفريقي، بسبب هذيان بعض الأميين في تونس، ممن لم يقرأوا أن حكمة تونس قامت على استيعاب المهاجرين منذ آلاف السنين، أرادت الجغرافيا أن نكون في ملتقى طرقات الهجرة، الآن نحن رأس الهجرة إلى أوروبا، لست أنت من تختار عرق أو ثقافة المهاجرين، لقد استقلبت بلادنا الوندال المخربين مثل بني هلال العرب المسلمين كما استقبلت المسلمين الأندلسيين الذين أعادوا بناء تونس حقا، الفرنسيون استعمرونا وقتلوا أشراف المناضلين منا، لكنهم تركوا لنا تقنيات وثقافة،

هل أن 80 أو 100 ألف مهاجر سبب للخروج من القانون الدولي والأخلاق الإنسانية والإدعاء بأننا عرضة لغزو عرقي منظم؟ أم أن الأسلم هو البحث عن الجواب الحقيقي للمخاوف من أزمة خلق الثروة والأمن العام والفوضى والبطالة والغلاء الفاحش وانسداد الأفق والخوف من المجهول؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات