حوكمة قطاع الطاقة والمناجم ومتطلبات السيادة الوطنية في مواجهة مخاطر الاختراق والارتهان الجيوسياسي

في ظل التوترات الإقليمية والأزمة العالمية للطاقة، لم يعد قطاع المحروقات والمناجم في تونس مجرد ملف اقتصادي، بل أصبح يمثل قلب الأمن القومي. إن أي ثغرة في حوكمة هذا القطاع تمثل فرصة للقوى الخارجية والمزودين الإقليميين لاستخدام "الطاقة" كأداة لتطويع الإرادة الوطنية وفرض وصاية دبلوماسية وسياسية تمس من استقلال القرار التونسي.

تُعد الشبهات المتواترة حول انتداب مسؤولين سابقين من طرف شركات أو هيئات (تونسية أو أجنبية) تعمل في قطاعي الطاقة والمناجم، ضمن أخطر أشكال "الرشوة الوظيفية":

-المسؤول وشبهة الشراكة في الارتهان: المسؤول الذي يطمح لـ "مظلة ذهبية" (منصب مستقبلي براتب خيالي) قد يصبح آلياً عميلاً للمصالح الخارجية وان لا يزال في منصبه، عبر تعطيل الإنتاج الوطني أو هندسة عقود تكرس التبعية وتخدم مصالح الشريك إذا أصبح خصما لدى المحاكم أو هيئات التحكيم الدولية.

-خيانة الأسرار السيادية: انتقال المسؤولين للعمل لدى أطراف أجنبية يعني تسليم "مفاتيح" التفاوض التونسية ومكامن الضعف الطاقي لهذه الجهات، مما يُفقد الدولة أي قدرة على المناورة الاستراتيجية.

- لمخاطر السيادية: التوظيف السياسي والدبلوماسي من طرف المزودين:

تبرز المخاطر الاقتصادية والسيادية بشكل حاد عند قراءة علاقة تونس بكبار مزوديها، ولاسيما النظام الجزائري:

-سلاح الغاز والتطويع: إن استمرار العجز الطاقي الوطني (الناتج جزئياً حسب عديد الأصوات المتصاعدة عن ثغرات في الحوكمة والمحاسبة) يجعل تونس مرتهنة للغاز الجزائري مما قد يُحوّل الطاقة من مادة تجارية إلى أداة ضغط سيادي و دبلوماسي تُستخدم لتوجيه المواقف التونسية في الملفات الإقليمية والدولية.

-المخاطر الاقتصادية: إن كلفة التبعية ليست مالية فقط، بل هي كلفة "سيادية"؛ حيث تضطر الدولة لقبول شروط أو توازنات لا تخدم مصلحتها العليا لتفادي قطع الإمدادات أو التلاعب بالأسعار، وهو ما يرقى إلى مرتبة "الارتهان السياسي" الناتج عن تقصير داخلي في حماية الثروات.

-تفعيل الترسانة القانونية ضد "التعويم":

أمام هذه المخاطر، يصبح التطبيق الصارم لـ الفصلين 95 و96 من المجلة الجزائية استحقاقاً شعبياً وسيادياً:

-وجب التصدي لكل محاولات "تعويم" هذه النصوص التي تهدف لحماية الموظف من المحاسبة عن "الإضرار بمصالح الدولة" أو "تحقيق فوائد غير مشروعة لشركات أجنبية".

-تكييف "المظلة الذهبية" و"تضارب المصالح السيادي" كجرائم تمس بأمن الدولة الخارجي، لأنها تساهم في إضعاف مناعة البلاد أمام ضغوط التطويع الخارجي.

الآليات العملية للتحرر والسيادة:

-فك الارتباط الوظيفي: منع العمل (أو الاستشارة) لدى شركات الطاقة الأجنبية أو الهيئات المرتبطة بالمزودين الإقليميين لمدة لا تقل عن 10 سنة للمسؤولين السامين والمتوسطين.

-الشفافية الدولية (EITI): نشر كافة تفاصيل عقود التزويد والإنتاج لقطع الطريق أمام أي صفقات أو بنود قد تنطوي على عناصر ارتهان سيادة البلاد.

-الاستثمار في البدائل الوطنية: اعتبار كل تأخير في مشاريع الطاقة المتجددة أو تطوير الحقول المحلية "شبهة خيانة للمصلحة الوطنية"، لأنه يصب مباشرة في مصلحة القوى التي تستخدم الطاقة كأداة تطويع. نظرا لضيق السوق المالية التونسية والخشية من الارتهان للخارج، يستحسن بعث تحفيزات جبائية استثنائية لغاية تجنيد الادخار الوطني واستثمار التونسيين في سيادة بلادهم الطاقية ومستقبل تونس كبلد مستقل ومزدهر ورائد.

الخلاصة:

إن حماية قطاع الطاقة والمناجم هي معركة تحرير وطني. إن المسؤول الذي يقايض أسرار إدارته بوعود وظيفية لا يخون وظيفته فحسب، بل يساهم في إبقاء تونس تحت "الوصاية الطاقية" للقوى الإقليمية. السيادة الوطنية لا تستقيم إلا بتطهير الإدارة من العملاء و المظلات الذهبية واستعادة القرار الطاقي المستقل و الوطني.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات