في تصريح لقي معارضة واسعة قال أحد النواب في البرلمان التونسي انه لا يتفهم كيف يمكن للتونسيين أن يغتصبوا النساء الإفريقيات من جنوب الصحراء الموجودات في تونس وبلادنا تعج بالنساء الجميلات . وفهم تصريحه على أنه دعوة الى اغتصاب التونسيات عوض الإفريقيات. وتعليقا منها على تصريح النائب قالت الأستاذة الجامعية سلوى الشرفي في تدوينة على صفحتها بالفيسبوك أن ما صدر عن النائب يذكرها بما فعله النبي لوط الذي دعا من جاؤوه من أهل قريته يطالبونه بإخراج ضيوف استقبلهم في بيته لأجل اغتصابهم الى أخذ بناته عوض عنهم .
ونريد في هذا المقال أن نتبين مدى وجاهة المقارنة التي عقدتها الشرفي بين تصريحات النائب وسلوك لوط مع قومه.
إبراهيم ولوط بين القرآن وسفر التكوين
لا شك أن القرآن يستحضر النص التوراتي في كل ما يتصل بقصص الأنبياء غير أننا نلاحظ دائما أنه يدخل على القصص الديني في العهد القديم تحويرات جوهرية لها علاقة بمبدأي التعالي والتنزيه القرآنيين أو بعصمة الأنبياء أو بمعنى الطهارة أو بغير ذلك من المفاهيم القرآنية الجوهرية .
أ ) قصة إبراهيم والضيفين ضمن قصة لوط
أولا يجب أن نستذكر أولا قصة إبراهيم وضيوفه ضمن قصة لوط كما وردت في الفقرتين 18 و 19 من "سفر التكوين" ( العهد القديم ) والقصة طويلة سنقتصر منها على بعض الفقرات التي تهم تحليلنا .
ظَهَرَ لَهُ ( إبراهيم ) الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَالٍ وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لاسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْض.... فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ، لأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ». فَقَالُوا: «هَكَذَا تَفْعَلُ كَمَا تَكَلَّ... ثُمَّ رَكَضَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْبَقَرِ وَأَخَذَ عِجْلًا رَخْصًا وَجَيِّدًا وَأَعْطَاهُ لِلْغُلاَمِ فَأَسْرَعَ لِيَعْمَلَهُ... ُثمَّ أَخَذَ زُبْدًا وَلَبَنًا، وَالْعِجْلَ الَّذِي عَمِلَهُ، وَوَضَعَهَا قُدَّامَهُمْ. وَإِذْ كَانَ هُوَ وَاقِفًا لَدَيْهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أكلوا " .
وترد القصة في القرآن ( الذاريات : 24 و25 و 26 و 27 ) بهذه الصيغة :
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ .
هكذا يورد القران القصة بألفاظ مشابهة للنص التوراتي مع تعديلين في غاية الأهمية في الدلالة على معنيي التنزيه و التعالي محور العقيدة القرآنية .
فالقرآن يستبعد كل ما قد يشير الى تجسد الرب ( ظهر له في شكل بشري وهم الضيوف ( لا مجال هنا لمناقشة صور تجسد يهوه في شكل بشري في العهد القديم ) هذا من جهة ومن جهة أخرى اذا كان الملائكة قد اكلوا مما قدمه لهم إبراهيم فان القرآن يعصمهم عن ذلك إذ أن الأكل يشير الى فعل إنساني قد يقود الى نزع أي تنزيه عن الكائنات الغيبية سواء كان الرب نفسه أو الملائكة بجعلهم يأكلون مثل البشر .
و قصة إبراهيم تقودنا الى قصة لوط إذ أن الملائكة كانوا مرسلين الى قوم لوط قبل المرور بإبراهيم وتبشيره وزوجته سارة بإسحاق ( أما إسماعيل فهو ابن الخادمة التي أدخلتها سارة على زوجها لعجزها عن الإنجاب ) وسنرى كيف سيدخل القرآن على قصة لوط أيضا تغييرات تناسب العقيدة القرآنية .
ب ) لوط وأهل قريته
ورد في سفر التكوين "فنادوا لوطا وقالوا له: أين الرجلان اللذان دخلا اليك الليلة ؟ أخرجهما إلينا لنعرفهما. فخرج إليهم لوط الى الباب وأغلق الباب وراءه وقال: لا تفعلوا شرا يا اخوتي. هوذا لي ابنتان لم تعرفا رجلا. أخرجهما اليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم. وأما هذان الرجلان فلا تفعلوا بهما شيئا، لانهما قد دخلا تحت ظل سقفي "
لا نريد أن ندخل هنا في خضم التأويلات التي قدمها المختصون في علم الأديان حول ارتباط هذه القصة بالمثلية أو عدم ارتباطها إذ من المحير كما يشير الى ذلك بعض مؤرخي الأديان أن النص التوراتي يستعمل كلمة لا دلالة لها أبدا على المثلية فماذا تعني بالضبط كلمة " لنعرفهما " : أي لنطلع على هويتهما فهما غريبان ولا ندري ما جاء بهما الى قريتنا أم أن اللفظ يشير الى ما ذهبت إليه أكثر التفاسير وهي طلب الاغتصاب و المثلية أو السدومية ( sodomie ) والكلمة الأعجمية مشتقة بطبيعة الحال من كلمة "سدوم " وهي القرية التي سكنها لوط وقومه كما أن اللواطية مشتقة من اسم لوط ؟ ويذهب بعض المؤرخين الى ان مسألة المثلية في القصة ناتجة عن تفسيرات لاحقة كانت نتيجة تأثر الثقافة اليهودية بالثقافة الهلنستية . ولسنا هنا بصدد تبني هذا التفسير الطريف ولكن الشاذ ضمن التفاسير السائدة .
وما يهمنا هنا هو الصيغة التي أورد بها القرآن ( هود : 78) القصة التوراتية :
"جَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ "
قد يُفهم من دعوة النبي لوط إلى أهل القرية ("ها هنّ بناتي") على أنها فعل يائس للغاية لحماية ضيوفه (الملائكة) من المطالبين بهم . ويذهب بعض علماء الأديان المقارن و الأنثروبولوجيين الى أن الدعوة الى أخذ البنات عوض الضيوف تشير إلى سمو واجب الضيافة وهو واجب مقدس كان له وظيفة اقتصادية واجتماعية في عصر كان الناس يواجهون فيه خطر عنف قطاع الطرق وندرة وسائل العيش ( لا يبعد عن ذلك واجب إكرام الضيف وحماية الجار ( بالمعنى الكلاسيكي) وحفظ الأمانة في أخبار العرب .وقصص حاتم الطائي والسموأل تشهد على بعض من ذلك . وغالبا ما لا يفهم المعاصرون هذه القيم المرتبطة بالكرم وحماية الضيف أو الجار و حفظ الأمانة ).
وقد يكون هذا المبدأ أعلى عند القدامى بكثير من واجب الشرف والطهارة .
كما ينظر البعض مثل سلوى الشرفي الى دعوة لوط باعتبارها دعوة الى اغتصاب بناته عوض اغتصاب الضيوف في حين ينظر كثير من المفسرين القدامى والمحدثين إليها على أنها عرض زواج مشروع وليس عرضًا جنسيًا، أو مبالغة مأساوية لردع رجال سدوم عن خطيئتهم.
ويرى المفسرون القدامى من المسلمين بأن المقصود ب "بناتي" هو نساء قومه، حيث النبي بمنزلة الوالد لأمته، ويدعوهم الى الزواج الشرعي منهن بدلاً من الفاحشة.
فقد جاء في تفسير الطبري "يقول تعالى ذكره: قال لوط لقومه: تزوّجوا النساء فأتوهنّ، ولا تفعلوا ما قد حرّم الله عليكم من إتيان الرجال، إن كنتم فاعلين ما آمركم به ، ومنتهين إلى أمري. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة : " قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ" أمرهم نبيّ الله لوط أن يتزوّجوا النساء، وأراد أن يَقِيَ أضيافه ببناته.
ويرى الزمخشري ذو المنزع العقلي في الكشاف أن " "هَـٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ" تشير إلى عرض النبي لوط لبناته على قومه لتزويجهن، بدلاً من الفاحشة مع أضيافه وبذلك وجههم لـ"نكاح النساء " والنكاح كم هو معروف في اللغة الفقهية القديمة وحتى الحديثة لدى عدول الإشهاد تدل على الزواج لا على غيره من أنواع العلاقات الجنسية .
وبقطع النظر عن تفاسير القرآن القديمة التي قد لا تروق للأستاذة فإنه من انعدام الأمانة و قلة الحرص على الدقة ألا نضع في الاعتبار بعض المسائل الجوهرية وبعيدا عن أي مشاعر دينية دفاعية .
من الأكيد أن القرآن أدخل على قصة لوط كما وردت في" سفر التكوين " تعديلا نأخذه بعين الاعتبار على الأقل كما أدخل تعديلات كثيرة على قصة إبراهيم انطلاقا مما ورد في التوراة كما رأينا إذ عمد وبشكل شبه صريح الى استبعاد أي علاقة أخرى ممكنة مع بنات لوط غير العلاقة الشرعية وذلك بتأكيده على معنى الطهارة و"هن أطهر لكم" والطهارة في المعجم اللغوي. تشمل المعاني المادية كطهارة الجسد والمعنوية كطهارة العرض.
كما انه من الصعب جدا القبول بالتفسير الذي يذهب الى تعويض الضيوف بالبنات في نطاق علاقة "زنا " فلقد حارب القرآن الزنا باعتباره فاحشة كبرى، وجعل عقوبته الجلد مئة جلدة لغير المتزوجين " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ" ( النور : 2 ) ويذهب الفقهاء الى أن حدّ الزنا للمتزوجين ذكرا أو أنثى الرجم أي القتل بالحجارة عملا بالآية التي رفع نصها وبقي حكمها في نطاق الية النسخ ( لا وجود للآية في المصحف ولا نريد هنا مناقشة الناسخ والمنسوخ من المنظور الفقهي القديم ) "الشَّيْخُ وَالشَّيخَةُ، فارجُمُوهُما الْبَتَّةَ " والشيخ والشيخة بمعنى الثيّب والثيّبة أي المتزوجين أو من تزوجوا وفارقوا بالموت أو بالطلاق .
فكيف يقبل من نبي في نطاق الأخذ بأدنى درجة من درجات انسجام الرؤية القرآنية أن يدعو قومه الى الزنا ببناته ؟
"ولمزيد التأكيد على هذا التفسير الذي ذهبنا اليه فلننظر بتمعن الى الآيات الواردة في سورة الشعراء وهي سورة مكية " ومرتبطة هي أيضا بقصة لوط فلعلّها تحسم ولو قليلا الجدل الواسع المرتبط بتفسير قصة لوط .
"كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍإِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ " ( الشعراء : 160 الى 166)
مع العلم أن لفظ "أزواجكم " تحيل في القرآن في سياقات كثيرة جدا دائما على العلاقات الشرعية وليس على أي نوع آخر من العلاقة .
ناقشنا الأستاذة الشرفي هنا هذا النقاش السريع الذي أتي على النزر القليل من تعقيدات المسالة المرتبطة بقصة لوط. وكان بودنا التوسع في المسالة أكثر لولا خوفنا من الإثقال على القارئ في هذا الفضاء الذي يدخله عامة الناس من غير المختصين . ونحن على يقين أنها تجهل كل ما حف بالقصة من تفاسير متشعبة قديمة وحديثة وأحيانا متناقضة سواء حول ما ورد منها في سفر التكوين أو في القرآن . فالمسالة العلمية بلا شك لا تهمها بل ما يحلو لها هو تحقير أي شعور ديني وهو تصرف لا يمكن أن يصدر عن باحث رصين بل لا ينجم إلا عن خفة في السلوك وانحراف بالعلم و شعور عدواني . إنها فقط إرادة التعرض للمسالة الدينية دون أي غرض علمي أو معرفي . لسنا نستغرب من الأستاذة ذلك فلقد دخلنا معها في جدال قبل الثورة في ما يخص الحركات الإسلامية من جهة وارتباط بعض الأدباء الفرنسيين بالاستعمار الفرنسي مثل "ألبار كامو" وأسلوبه في الكتابة سواء في رواية " الغريب" أوفي رواية " الطاعون " من جهة أخرى . لقد اكتشفنا وقتها أن الأستاذ لا تقرأ النصوص قراءة العالم المتأني بل تقرأها حسب ما يعتريها من نوازع عدوانية لا اكثر ولا أقل.