في قتل الدجاجة التي تبيض ذهبا

ما يحدث لشركة فسفاط قفصة بعد 130 عاما من إحداثها أي صعوبة توفير أجور عمالها هي النهاية الطبيعة لسوء التصرف والحوكمة الصارخ بعد أن كانت نوارة الاقتصاد والمجتمع، وهو تقريبا مصير كل المؤسسات العمومية التي صنعت مجد الدولة التونسية الحديثة وتحولت تدريجيا إلى "جثث مريضة" تتطلب الدعم المالي العمومي لمجرد التمديد في عمرها، إنها نهاية أنموذج للمؤسسات العمومية،

شركة "تبيع التراب" الذي لا ينفذ، كان يفترض أن تحقق مرابيح طائلة وأن تتحول بخبرة 130 سنة إلى "متعددة الجنسيات" تتحكم في سلاسل الإنتاج والتصدير وتملك مناجم فسفاط في أنحاء إفريقيا ومصانع التحويل في عدة موانئ وأن تكون يد الدولة الضاربة في تحويل الثروة المنجمية والصناعية إلى مصدر لخلق القوة والمال والرخاء لتونس ولشركائها.

لما فشلت الدولة في خلق الثروة للناس في الحوض المنجمي، أصبحت "الكبانية" كما يسمونها محليا هي الدولة وتحولت إلى باراشكوك اجتماعي وسياسي: التشغيل، المساعدات الاجتماعية، تمويل النشاطات الرياضية والثقافية، تمويل تحركات السياسيين والمسؤولين... لذلك تم استهدافها بالإضرابات وتعطيل العمل وحتى التخريب حين كانت عمليات الانتداب والتمويل تتم بالعروشية والخضوع للضغوطات السياسية والنقابية. كان يمكن تحمل ذلك ماليا لولا غياب برامج التطوير الصناعي والاستثمار الحقيقية،

لكن المشكل ليس هنا، بل في أنموذج الحوكمة والإدارة: هل يتم اختيار المسؤول الأول على الكفاءة والأهداف أم الولاء؟ هل يتركونه يعمل ويحقق أهدافه من التعيين؟ هل تتم محاسبته على الإخفاق وتبين مسؤوليته فيه قبل إضافة كارثة أخرى إلى الشركة؟

حسنا، إن الوضع الكارثي التي تمر به فسفاط قفصة ليس مفاجأة، كما أنه ينتظر أغلب المؤسسات العمومية، من الخطوط التونسية إلى بقية شركات النقل العمومي إلى ستير جرزونة والشركة التونسية للأنشطة البترولية إلى عجيل الوقود إلى الستاغ والسوناد إلى أنظمة الضمان الاجتماعي...

كنت حاضرا مرة على قطع الكهرباء على الخط الأول لشركة المترو لإجبارها على سداد فواتير الكهرباء المتراكمة، لكن كبانية النقل تعيش على أنموذج تصرف طريف، تعيش على مساعدات الدولة دون أهداف حوكمة رشيدة، منين تجيب الفلوس بالله؟ لماذا ليس لها أنموذج تصرف وإدارة سليم اقتصاديا؟ لماذا ليس فيها برامج تطهير وتدقيق مالي واجتماعي؟ هل من المستحيل أن يأتي مسؤول يوما ويقول: "حسنا، سنبدأ عملية تدقيق على ما نملك وما نفعل وبأي عدد من الناس ومن المعدات ونعيد ترتيب الأشياء بطريقة مجدية ونحدد أهدافا للنجاح والربح؟".

كلها تعاني من نفس أنموذج الحكم الذي أدى إلى فشل ذريع وخسارات متعاظمة مع الزمن حتى يأتي يوم يتوقف فيه كل شيء،

هل حدث مرة ولو في شركة عمومية واحدة أن تم تعيين مسؤول على عقد أهداف يجمع بين شروط الدولة وشروطه للنجاح والإنقاذ؟ أصلا، هل ثمة مشروع لدى الدولة لإنقاذ "نوّاراتها" الاقتصادية والاجتماعية التي يفترض، ليس فقط أن تبيض لها ذهبا بل أن تأمن لها شروط خلق الثروة والسلم الاجتماعية؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات