لا تؤاخذينا يا غزة أطالت الأعراب قرونها لتناطح التاريخ

كأن صراخ أطفال غزة ونسائها في واد غير ذي عرب ، وعلى الرغم من أن صراخهم يشق عنان السماء من غير صدى ولم ييئسوا، ومازالوا يصرخون متوهمين أن معتصماً سينجدهم ، ولكن أنّى للأعراب من معتصم جديد.

كأنّنا أناس لا توسّط بيننا، و الصدر لنا حيث مقعدنا أكان من ذهب أم من دم. وسواء أكان في النسيان لأننا ننسى أنّ أبا فراس صنع مقعده من كلام ،لكن في حضرة الروم .

ولأننا ننسى لم ننس أن بعضنا مازال مقعده في النكسة التي جعلت منه مقعداً شاغراً للأمل، و لأننا ننسى لم ننس أن تلك الهزيمة حفرت مقعدها في وجداننا سجناً لم يخرج منه بعضنا على ما استغاثنا التاريخ لمقاعد أمل جديدة.

و لأننا ننسى، لم ننس أن نبحث عن سوسة تنخر ذلك المقعد فتريق دم الأمل على جنباته، كان منعطفنا التاريخي، لنكنّس أصنام الخوف من ساحات وجداننا المطعون بالماضي، وكانت فرصتنا التاريخية الباهظة الحلم ، ثمة مرحلة يمكن أن نغير فيها بوصلة رجائنا نحو رأس رجاء صالح للأمل.

وما كان دم أطفال غزة رباننا الجديد الذي فتح لنا في ظلمات اليأس بحراً لكي نعبر نحو توازن الأمل في كفِّ الشيطان عن حلمنا الذي اعتادته في السراء و الضراء، وما من أحد يصرخ لحم حلمنا مرّ .

وبدل أن نقتفي أثر دربنا الجديد الذي عُبّد بدم لا أغلى، عدنا ننبش روح الهزيمة في أضلاعنا فنفسّر لون الدم في رايات الكلام، ونعدّ أصابع حاملها لنبحث عن رقم نتشاءم منه فنسوّغ النوم في سرير هزيمتنا من جديد.

ولما سال دمنا من المحيط إلى الخليج في غزة رحنا نتفحص زمر دمنا لننكر جريانه، ونؤكد أن ما سال ليس منا.

وعلى أن كل طفل مذبوح يلطمنا بكل أكف البشرية، أننا هنا نذبح، لكن شاء بعضنا أن يخترق حصون دم غزة التي تحمي وجداننا من الانهيار مرة أخرى. وكان لإسرائيل كلمة سرّها الناجحة في فلت كل وحوش البربرية نحو هذا الدم لكن أن تلعقه في جبيننا فتلك هي المأساة.

وكان لإسرائيل أن تخترقنا، فحولتنا من حملة أعلام النصر إلى جوقة شعبية للشجار البدائي. ورحنا ودم غزة يسيل من كل جروح ضميرنا نشارك إسرائيل في توجيه المعركة نحو صدورنا، وما منا من مؤمن له ضالته بالحكمة، بل رحنا نشتري الحكمة ونكسر على أنفها عصا إيماننا.

وكان ما كان، بدل أن نشدّ أعضاء جسدنا الواحد ونتسامح في اختلال فهمنا المتضارب لتوازن القوى. رحنا نكسّر موازين عقلنا وحكمتنا.

وبدل أن يكون معبر رفح اختراق لحصار الدم المأسور عارياً خارج شراييننا، صار معبراً لعبورنا إلى بيدر التخوين، ومؤونة العروبة العتيدة من الاتهام فنكيلها صاعين للصاع، ونسرق الصاع الذي يكيل دم غزة ونخفيه في رحلنا نحو التباري ببطولة النصر على بعضنا بالتخوين.

فلنا دون العالمين الصدر وأطفال غزة تصرخ نحن بين القبر و القبر نرابط جوعى في حماية أعراضكم، ونحن نعدّ لهم ما استطعنا من رباط الفتنة، وحرس قمم التفريق، وبينما يقف دم أطفال غزة يدافع عن نفسه نيابة عن رجال العروبة ، كنا نصرخ بأماتهم لا تبكي عيونكن إنما نحاول قمماً، أو نبيعكن فلا نخسر فلغزة رب يحميها ويحمينا، وكأننا لم نعرف أن نفك تقييد أنفسنا بروح الهزيمة، لنقف خلف جدار التخوين، ونحمي ظهرنا بدلا أن نصرخ: اسق أخاك النمير ،ونطعن الساقي.

آن لنا أن نتعلّم أننا قاب قوسين من وادي جهنم، فلات الساعة ساعة تبادل الرقص، الساعة ساعة حداد وجداني، ساعة إلى بيان نسبنا إلى الهنود الحمر، ساعة فحص زمرة دمنا لننسبه إلى شراييننا وهو فيها.

ولكن مَن لم يخجل من كل انتهاك عرضه في غزة، وكل دماء أطفالها فهل سيخجل من التاريخ، لقد أطالت الأعراب يا غزة قرونها لتناطح التاريخ فكيف تخجل منك أو منه .

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات