هل أتعاطف مع أحمد السعيداني ؟

أذكر اني قرأت مرة رأيا لعالم النفس فرويد معلقا على قولة المسيح الشهيرة الواردة في انجيل متى 5- 44 : وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،"

قال فرويد معلقا على قولة يسوع المسيح " اذا أحببت أعداءك فماذا تركت لأصدقائك ّ ؟ لا ادري اذا كان فرويد يتحرك من منطق يهودي ( يهودي بالوراثة فهو بلا شك رجل لا ديني ) فقد ظلت فيه رواسب من ديانة آبائه وأجداده قائمة على الكراهية للأخر بل الى الدعوة الى إعدام من لم يكن يهوديا " .

"اقتلوهم جميعا حتى الرُضع منهم".

من المحتمل أن فريد كان قاسيا قليلا أو كثيرا مع المسيح والديانة المسيحية التي قامت على انقاض الديانة اليهودية لتعوض منطق الكراهية و القتل ، منطق" العدل الأعمى" بروح التسامح و المحبة ولتحدّث الضمير الإنساني بعيدا عن أية محاسبة سياسية أو قانونية. فكلنا خطاؤون ولا أحد بمقدوره أن يدين غيره وهو في اكثر الأحيان مدان .

غير أن قولة فرويد تحتاج الى أن نتوقف عندها فعلا إذا تجاوزنا الجانب المثالي في الديانة المسيحية هذا الجانب الذي قد يغري غير المسيحيين من المثاليين . فهل تستقيم الحياة فعلا اذا تساوى لدينا الصديق والعدو ، المجرم والضحية ، القاتل والمقتول، الشريفة والزانية ؟

تلك مقدمة أريد أن أخلص منها الى مسألة التعاطف مع النائب احمد السعيداني بعد إيقافه من أجل رأي عبر عنه مهما كانت طبيعة هذا الرأي و ليس فيه أية دعوة الى عنف يمكن تجريمها .

هذا النائب وبصرف النظر عن انخراطه الواعي في الاعتداء على دستور البلاد بقبوله المشاركة في كل ما استتبع هذا الانقلاب من مؤسسات لا ديمقراطية فانه من الصعب جدا أن أتعاطف مع شخص يدعو الى قتل خصومه صراحة ودون مواربة. ولقد تقاسم كثير من الفيسبوكيين بالأمس واليوم ما قاله حول ضرورة إعدام كل الإسلاميين ووضعهم تحت التراب بلا عدل ولا محاكمة . إن الدعوة الى القتل ليس رأيا ، إنها جريمة . من الصعب جدا أن أتعاطف مع شخص يحرض السلطة على أحمد صواب ويشمت فيه . ببساطة من الصعب جدا أن أتعاطف مع مجرم .

أجد نفسي أمام مأزق أخلاقي قبل أن يكون سياسيا . وبمنطق قد يكون قريبا من منطق فرويد : اذا تعاطفت مع المجرم لأن من يدعو الى القتل مجرم بكل المقاييس والأعراف فماذا تركت من تعاطف مع من يدعو الى قتلهم ؟ اذا تعاطفت مع السعيداني فماذا تركت لأحمد صواب وكل الذين يقبعون في السجون وكل الذين طالهم العذاب والقسوة من ذوي ضحايا الظلم من أباء وزوجات وأبناء ؟

قد أطالب بحق هذا الرجل في التعبير فذاك مبدأ لا حياد عنه . قد أطالب بمعاملته وفق النواميس الدولية اذا كان دستور البلاد جائرا .ولكن أرجوكم لا تطالبوني بان أتعاطف مع من لا يفرق بين الخصومة السياسية والإعدام خارج نطاق القانون.. أن أتعاطف مع ناشر الكراهية ومنطق الشماتة خدمة لأسياده الذين يعاملونه اليوم بنفس المنطق الذي يدعو اليه. فلم يفرقوا معه بين الخصومة السياسية والرمي في غياهب السجن أذا صدرت بشأنه لاحقا بطاقة إيداع في السجن طبعا .

أرجوكم لا تطلبوا مني التعاطف مع السعيداني فلست مسيحيا رغم إعجابي بشخصية المسيح . إذا فعلت ذلك خنت أصدقائي وتنكرت لإنسانيتي .

واخترت لنفسي أن أكون منافقا كذابا.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات