على أمل تعلم الفصالة،

"زميل" مهنة الصحافة، كتب لي مرة هنا في الخاص: "تنقد أعمال زملائك، من أنت وماذا فعلت في الصحافة"،

إيجا ولدي: أنا غادرت السجون الوطنية من القصرين المركزي نهاية 1988 بعد ثلاثة أعوام إلا شوية، وقتها أنت كنت ما تزال تلبس "كوش"، هذا ليس عيبا، لكن في الأثناء وفيما أنت تكبر في الابتدائي والثانوي، أنا جرى الدم في يدي الغضتين وأنا أشتغل في حضائر حفر الطرقات في المرسى لسداد ديون عائلتي الفقيرة لأجلي ولدفع ثمن حلم العودة إلى الدراسة ولتعلم الإعلامية وقتها وإعادة اختراع حياتي،

في الأثناء، اقترح علي أحد الأصدقاء دخول مهنة الصحافة متعاونا بحجة أن عندي "القماش" وكل ما أحتاجه هي الفصالة إلى أن ترسمت في 1990 مقابل 170 دينارا في الشهر على أمل تعلم الفصالة، وترسمت في المهنة، وقعت بين أيدي أفضل رؤساء التحرير وقتها، أنتج استثماري في العودة إلى التعليم دخول معهد الصحافة ومعاناة الجمع بين الدراسة الجامعية والاستجابة للاستنزاف اليومي في مؤسسة خاصة، حد التخرج في 1998 بشهادة الأستاذية في ما أعرفه: الصحافة المكتوبة ،

أنت وقتها عمرك ستة عشر عاما فقط: منديلة زرقاء وكرطابة على ظهرك فيما أنا أستحضر حياتي الدراسية منذ 1971: منديلتي أو كراطابتي اللتين خاطتهما أمي بيديها، الأولى من قماش قصه أبي في السوق والثانية من بقايا شكاير الأمونيتر البلاستيك، رغم ذلك كنت الأول، كان علي أنا وأبي أن نتحمل بروتوكول الرئاسة لكي يسلمني بورقيبة جملة من الجوائز في المدرسة، كانت الحياة نضالا مستمرا لمجرد البقاء على قيد الحياة، اخترعنا فيه القدرة على إعطاء معنى لما يحدث، لذلك كان تعلم الأجناس الصحفية طبيعيا، استجابة لسؤال وجودي في هذا العالم الموجع المليء بالصعوبات،

في 2006، عندما كانت صورتي تنشر على يمين الصفحة العليا لجريدة الشروق من جنوب لبنان في حرب يوليو 2006 مع المقاومة التي قضيت كل وقتي في اكتساب ثقتها، كنت أنت في أول سنوات دراستك الجامعية التي ليست لها علاقة بالأجناس الصحفية ولا بالصحافة ولا بالأسئلة الحقيقية نفسها، كان حلمك هو أن تصبح مدرسا في الثانوي، وهي مهنة نبيلة رائعة، لا منافسة فيها مع الصحافة إلا في خيالك المريض بالشهرة والزعامة والإدعاء، تريد الانتساب إلى الصحافة؟ جميل، كم من خبر مهني كتبت؟ كم من ريبورتاج أنجزت؟ كم من مرة نزلت إلى الميدان بحثا عن المعلومة والمعنى في عمل استقصائي؟ كم عشت في اجتماعات تحرير صاخبة من أجل توصيف وتطوير العمل والدفاع عما تراه من المعنى؟ إذا، كيف أصبحت رئيس تحرير وأنت لا تفرق بعد بين الخبر والتعليق؟ ولا بين الخبر والريبورتاج؟

مرة، في عمل استقصائي وثائقي، عثرت على مقالات لي لا تقدر بثمن، كتابة التاريخ اليومي، في عملية حسابية في مركز التوثيق، اكتشفت أني كتبت أكثر من 16 ألف مقال في جريدة الشروق في 24 عاما من المهنة، 99 بالمئة منها عمل ميداني، تاريخ يومي للكوارث والمشاكل والمآسي والأحزان، ليس فيها مقال واحد أخجل منه، ليس فيها مقال واحد لمديح النظام، وأنت وينك؟

"شفت" ولدي؟ الطريق شاقة في المهنة، سواء في بنغلاديش أو في نيويورك أو لدى من يمولون أوهام المهنة لديك فإن مهنة الصحافة هي نفسها، بالآلام نفسها التي حرمك الله منها وجعلك تنتقل من الهواية إلى رئاسة التحرير دون المرور بالطريق الطبيعية للتدرب والارتقاء التي تعففت عنها، بحثا فقط عن الوجاهة، لأن الوجاهة لا تأتي بقرار من مموليك، بل بما تتركه من أثر في التاريخ.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات