أمر بسهول القمح وأرى السيول فأراك في غربتك ...تتلضى ...وأرى الوزير يضحك في التلفزيون عن قمح أكله الحمام. كان هناك جوع مستوطن من زمن قديم فالقمح كان يسافر في المواني إلى بلاد تحسن صنعته. فيما أهل البلاد يرون القمح بعيونهم فقط. لكنهم يصرون على النعمة في صدورهم. يمر السحاب فيشمون الثرى قبل الغيث ويأملون الخير لأن الجوع ذاكرةً تسكن العظام. الماء نعمة والقمح نعمة والولد نعمة ولكن الجوع باق وقد بلغنا تصدير الأولاد بعد القمح. فالوزير لا يحسن صرَّ الحَبِّ في مخزنه. لقد عاش من دالوز واكتفى بالضحك على الجمهور الطيب.
كان القمح نعمة قبل أن تُولد الوزارات وقبل أن تتعلّم الدولة العدّ. وقبل أن تصير العاهرات وزيرات على خزائن الأرض. كان الناس يقبِّلون النعمة ويضعونها فوق الجبين ويستغفرون لمن أهانها ثم يشكرون ويصبرون ويقول قائلهم (وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا). في الأرض كانت تدس النعمة القادمة لمحاربة الفقر المستوطن. النعمة لا تداس بالقدم ويخجل مبددها من فعلته. لم يكن ذلك فلكلورا ولم يكن قانونا كان دينا كاملا (وإن أشكر لي).
في زمن تصدير الأكباد الذي حل بعد زمن تصدير القمح أعطت الأرض ولم تحسب. لكن عطاءها وقع بين نكرات لا يفرقن بين القمح والحصى. دعيات لا يعرفن الأرض لكنهن يعبدن المنصات والشاشات واللغو المبين. لذلك نام القمح في العراء يتيما فلما جاء مطر الخريف العاصف بكى القمح على نفسه وسال في السواقي ولم ينزرع. فتحت له السماء قبورا لستره وربما قبلته ووضعته على جبينها.
وكان الوزير يحب دالوز فبحث عن نص لسجن الحمام فأعجزه فضحك في التلفزيون لا نص لمحاسبة الحمام. لنضحك وضحك وحده على نكتة سمجة.
ضحكة دالوز على الوبال لم تهَن القمح فقط، بل أهانت الأرض التي حضنت الحبة وأهانت الماء الذي سقاها وأُهين شيء أقدم منه لقد أهين الخجل. نقلت ضحكة الوزير المستهين بالنعمة عار الحكم العابر إلى التاريخ الراسخ.
لم يكن قيافته عاهرة لأن العاهرة في المخيال تعرف موقعها ولا تدعي الطهر لكن الجديد في المشهد المتلفز هو أن العار لم ير نفسه عاريا وهو يقف فوق النعمة يدوسها ويضحك. لقد كان مسرحا سخيفا يوهم بسلطة مكلفة. في المسرح خرج الفشل من الخطيئة إلى الشو ...(العرض)...لقد كان عرضا بعد سقوط الخجل من النعمة لذلك صعده من لا يشعر بالعار ويمكنه أن يحول الكارثة إلى نكتة وضياع النعمة إلى هزة كتفين وضحكة لقد أكله الحمام.
في زمن الاستهانة بالنعمة نصدر فلذات الأكباد ونتوقف عن ترويج الوهم. من داس النعمة جاءت به السفارات ومارس عهر الخيانة وهو باق في مسرحه يؤلف نصا لسجن الحمام.
أولائك الذين يحكمون ويضحكون كلما تركوا النعمة للحمام نقول لهم ما زلنا نعرف أن القمح ليس مزحة وأن الضحك فوق النعمة لعنةٌ لا تُمحى بالسلطة والنعمة شاهدة. لكننا توقفنا عن خوض الحروب فالذي يستهين بالنعمة يستهين بالإنسان قبلها وقد وجدنا في منازعته مسرحه العار. لقد تربينا على منازلات الرجال. فأذهب يا ولدي بعيدا ونازل فقرك وابن صومعة قموحك في بلاد قد يخجل حاكمها من الدوس على الإنسان.