الكوميديا السياسية

الفساد المستشري في مفاصل الدولة منذ عقود، وتقاعس صغار الموظفين والمسؤولين عن القيام بالواجبات المنوطة بعهدتهم، ووجود مؤامرات تحاك في الغرف المظلمة للإطاحة بالنظام القائم. تلك هي الذرائع الثلاث التي يستخدمها رئيس الجمهورية في تبرير كل شيء، بدءا من تعطل المشاريع الكبرى، مرورا بإفلاس المؤسسات العمومية، وصولا إلى تضرر البنية العمرانية من الكوارث الطبيعية. دائما نفس التفسير، دائما نفس السردية.

في زياراته إلى المناطق المتضررة من الفيضانات استخدم رئيس الجمهورية هذه الورقة، فحوّل الموضوع إعلاميا من كارثة طبيعية غير مسبوقة أصابت سواحل البحر الأبيض المتوسط إلى قضية فساد محلية، دون التفكير في حلول استشرافية لمواجهة المتغير المناخي، وتبلغ «الكوميديا الرئاسية» ذروتها عند الحديث عن الحشرة القرمزية والحشرة الحريرية وكيف يدلّ اجتماعهما في مكان واحد، في وقت واحد على «أمر غير طبيعي!! »

يعكس هذا الأسلوب استراتيجية الحكم الراهنة، فظهور الرئيس في مثل هذه المناسبات الأليمة بمظهر المعارض الرافض بدل الظهور بمظهر الحاكم الواعي بمسؤولياته التاريخية، هو جزء من عملية تدجين الجموع والسيطرة على الرعاع بادّعاء تمثيلهم هم دون سواهم أمام (الآخرين) الذين لا يدري أحد من هم؟ في حرب ظاهرها «مقاومة الفساد» وباطنها «القضاء على الديمقراطية! »

خمس سنوات من الحكم الفردي المطلق لم ينجَز فيها شيءٌ يذكر، باستثناء محاربة التعددية وتجريم السياسة، ورغم أن وجود الإعلاميين والمعارضين في السجون لم يحسن أحوال الناس ما يزال «المواطنون» يزغردون لمجرد رؤية الرئيس، وكأنها كافية لتخليصهم من المحنة. لم يعد التونسي يفكر في المستقبل قدر تفكيره في الماضي، هكذا نجحت السلطة في جعل الناس لا يحلمون، ولا يأملون في حياة أفضل، ولا يطالبون إلا بتقاسم المزيد من الفقر والبؤس بأكثر ما يمكن من العدالة!

غابت الحلول لأن التشخيص خاطئ، فتفسير كل مظاهر الخلل بالفساد ينهض على اعتقاد مسبق بأن «تونس دولة غنية لكن ثرواتها منهوبة»، وترسيخ هذه الفكرة لدى الناس لا يساعدهم على استرجاع قيمة العمل وإعلاء مكانة الضمير المهني في حياتهم بوصفه التزاما وطنيا قبل أي شيء. لهذا لا يبذل أحد جهدا من أي نوع، ولا يأتي أحد لشفط مياه الفيضانات بسرعة. لقد جعل خطاب المؤامرة الناس يتبادلون الاتهامات بالفساد ويخون بعضهم البعض ويأكل أحدهم لحم أخيه ببرودة دم لا نظير لها!

أي مصلحة للسلطة في ألاّ تقول للشعب إن الفقر هو السبب الرئيس وراء كل مشاكلنا؟ وأن مواردنا الطبيعية وحدها لا تلبي كافة طموحاتنا، وأن صنع الثروة لا يكون إلا بالعمل؟ إن هذا التشخيص سيكشف بلا شك عجز النظام عن إيجاد حلول للوضع القائم وهو عاجز لأنه كبل نفسه بشعارات لم يعد لها معنى جعلته يتخبط في منطقة وسطى بين أسوأ ما في الليبرالية وأردأ ما انتهت إليه الاشتراكية.

يدفع الشعب التونسي نسبة عالية من مداخيله السنوية لمصلحة الضرائب، لا للنهوض بالمرافق العمومية الحيوية بل لتمويل المؤسسات العمومية المفلسة، وعندما يعاين عدم توفر معدات كافية لشفط المياه بنجاعة في الفيضانات يفسر الأمر بتقاعس المعتمد ومسؤول ديوان التطهير الفاسد وغيرهما من صغار الموظفين في إطار مؤامرة تحركها «اللوبيات» ضد الرئيس!! لقد آن الأوان للتأكيد مجددا وبشجاعة على أن انعدام الكفاءة أخطر بكثير من الفساد!

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات