المواطن لا يحتاج إلى سلطة تواسيه وتمشي معه تحت المطر ووسط الأوحال، بل إلى سياسات عمومية وبنية تحتية تمنع غرق البلاد والعباد.
الاتصال السياسي الذي يركّز على إدارة الألم بدل تقديم حلول فعلية يفرّغ الدولة من معناها، ويضعف مفهوم السياسات العمومية، ويحوّل الشعب من مواطن صاحب حق في الحياة الكريمة إلى مجرد متلقٍّ عاطفي لمشاعر السلطة.
ما يفعله قيس سعيّد غالبا هو إدارة الانفعال لا إدارة الواقع.
فهو لا يحلّ بُنية الأزمات، بل يعيد تأطيرها نفسيا: لا يرفع عن المواطن المعاناة، لكنه يشاركه الشعور بها. وهكذا يتحوّل الفشل المؤسسي إلى مشهد عاطفي، وتُختزل الدولة بكل مؤسساتها في صورة رئيس يبتلّ مع شعبه. فتحلّ رمزية الحضور الجسدي للسلطة محل القرار السياسي، والصورة محل الإنجاز، والمشهدية محل الفعل.
ولا أحد ينكر أنّ قيس سعيّد يُحسن التموقع فوق الصراع لا داخله. فهو لا يقدّم نفسه كفاعل سياسي يُحاسب على غياب الإنجاز، بل كـ"ضمير للشعب" يكتفي بالتشخيص والإدانة.
وبعيدا عن الشخصنة، وحتى أبقى في الإطار التقني الموضوعي، فإن هذا النمط من الاتصال يُعد شكلا من أشكال التضليل النفسي. حيث يتحوّل الفشل إلى قرب، والعجز إلى تواضع، وغياب الحلول إلى غضب ممسرح يُبث في نشرات الأخبار وصفحات الدولة الرسمية.
وغضب السلطة دون تقديم حلول… هو استنزاف جماعي.