اعرف سيف الإنسان

عرفت سيف الدين مخلوف منذ سنوات طويلة، منذ سنوات الجامعة، بعدها اختلفت مواقعنا، وظلّ كل منّا يدافع عن أفكاره وقناعاته بأدوات مهنته، لم نتقاطع في الأغلب واختلفنا وتخاصمنا بشكل معلن الى حدّ الاستعداء .. ولكن أنا أعرف سيف الإنسان..

اعرفه في نسخته التي لم تظهر أبدا للناس، لا اعلم أن كان هو من أراد ذلك أم أن الحياة غيّرته فلم نتواصل أبدا بشكل ودّي منذ الجامعة، ولكن لا اعتقد أن الإنسان فيه تغيّر، رغم انه في السياسة بقي دائما مندفعا كالإعصار-عكس شخصيته الهادئة في الجامعة - كان غاضبا طوال الوقت.. حانقا طوال الوقت..رافضا طوال الوقت.. ربما وقتها لم نفهم لماذا.. لم نفهم معنى الانتماء لجيل ابتلع كل الخيبات والخذلان دفعة واحدة ولم يكن يساريا ..!!

فليس فقط اليساريون من يحق لهم الغضب والخيبة.. هناك أفكار أخرى في هذا البلد يحق لأصحابها الغضب والرفض على طريقتهم.. دون ان يحق لأي كان التعامل مع ذلك كجريمة ضدّ حداثة الحدثوت..

وربما نحن بشكل عام لم نستوعب حق بعض المنتمين الى ذلك الجيل في التمرّد، في الغضب، في سعيهم لتحطيم النمط، الخطأ الأكبر الذي لم نكف عن ارتكابه أبدا هو أننا نحكم دائما على الآخر من وجهة نظرنا نحن ومن معاييرنا نحن ولا نمنحه هامش الاختلاف ولا ارتكاب الأخطاء ولا نحترم ذلك.. نسمح لأنفسنا بأن نكون مختلفين عن الآخر ولا نتسامح مع الآخر عندما يختلف عنْا..

ما زال صوته تلك الليلة التي قُبض عليه فيها يتردّد في ذهني.. كان يهتف لتونس وكان صوته غاضبا كالعادة ولكن أنا استطعت أن اميّز نبرة الألم في هتافه الذي حاول أن يخفيها بصراخه الغاضب.. يغضب سيف ويصرخ ويتشنّج كثيرا عندما يتألم.. أنا اعرف ذلك جيدا.. اعرفه منذ تلك الأيام التي كنّا نحلم فيها قرب تلك الصخرة التي تسمّى بصرخة سقراط فكانت لعنتنا الأبدية.. لعنّا نحن يوم اطلقنا أحلامنا بجموح قربها وانتهينا اليوم الى ما انتهينا اليه.. نجمع بقايا البقايا في حلم الحرية!!

اعرف سيف الإنسان وهذا يكفي لأشعر بكل هذا الضيق الذي اشعر به الآن وهو يُخذل مرة أخرى..تخذله الحرية التي حلم بها دائما! وتخذله الجغرافيا الملعونة كذلك..

غاضبة الآن مثلك يا سيف وناقمة على كل شيء وعلى الأسباب التي نسفت الحرّية..

اللعنة وألف لعنة على كل ما أفكر فيه الآن !!

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات