إعادة اختراع العجلة

في لقاء رئيسة الحكومة ووزير التخطيط برئيس الجمهورية لإطلاعه على مخطط التنمية الجديد، يعلمنا البلاغ الرئاسي أن أكثر من ثلاثة آلاف جلسة عقدت على المستوى المحلّي والجهوي وعلى مستوى الأقاليم وتوصّلت إلى أنّ من بين أهمّ مشاغل المواطنين «معالجة التعقيدات الإدارية وتطوير المؤسّسات التربوية وتحسين نسق تنفيذ المشاريع المحلّية والتحكّم في التوسّع العمراني والحدّ من البناء الفوضوي وتقليص البطالة ».

إذا اعتبرنا هذا المخطط التنموي أول وثيقة ينتجها النظام القاعدي في نسخته المكتملة يحقّ لنا أن نتساءل: «أيستحق هذا كل ما بذلته المجموعة الوطنية من أجله؟» فالمشاغل التي انتهت إليها المجالس المحلية والجهوية لا جديد فيها، ويمكن لتحقيق صحفي واحد في تلفزيون يحترم عقل المتفرج أن يذكّر بها في دقائق، فهي مشاغل معروفة منذ أكثر من عشرين عاما، ويظل السؤال عن كيفية تجاوزها وإيجاد حلول عاجلة لها عالقا بلا أجوبة!

ليست الخطورة في ألا نتقدم قيد أنملة على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل الخطورة كلها تكمن في التراجع سنوات ضوئية إلى الوراء سياسيا، فبالتوازي مع هذه العطالة أصبح رئيس الجمهورية يستخدم عبارة «التفويض الشعبي» بشكل لافت للانتباه، وهو يعني بذلك المظاهرة التي جابت شوارع العاصمة يوم 17 ديسمبر 2025 إحياء لذكرى انتحار البوعزيزي، فهل يحتاج رئيس منتخب ديمقراطيا تفويضا غير التفويض الذي منحته له الصناديق؟

لقد علمنا التاريخ أن تنظيم السلطة مظاهرات لفائدتها من الأمور التي تحدث في غياب الديمقراطية، والرسالة عادة ما تكون موجهة إلى الخارج، باعتبار أن موافقة الشعب أو عدم موافقته لا تعنيان شيئا. وإذا كان «التفويض الشعبي» مقترنا باستخدام القوة وسلطة الأمر الواقع بديلا عن وسائل التغيير التي وضع قواعدها العقل السياسي الديمقراطي، فما الذي يدعو رئيسنا في منتصف عهدته الثانية إلى إعادة استخدامه والإلحاح عليه؟

من الصعب الإجابة عن هذا السؤال خارج احتمالين اثنين: اقتناعه هو ذاته ومن منطلق تخصّصه الأكاديمي في القانون الدستوري أن انتخابات العام 2024 أبعد ما تكون عن الديمقراطية، وأن الشرعية الناتجة عنها في حاجة دورية إلى إعادة الشحن بما يعتقد أنه «تفويض شعبي»، أما الاحتمال الثاني فيتعلق بالاستحقاقات الدستورية المقبلة وبإمكانية استبدال الديمقراطية نهائيا بمظاهرات الأنصار أمام المسرح البلدي.

هناك مؤشرات عديدة تدعم الاحتمال الثاني، فرغم أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة كانت درسا نموذجيا في ممارسة «الديمقراطية» بالقوة لفرض الأمر الواقع، فهي مكلفة ماديا مقارنة بالمظاهرات التي يمكن تنظيمها في شارع الحبيب بورقيبة! إن استدعاء السلطة أنصارها للتظاهر وتسخير جهاز الدولة البيروقراطي ووسائل دعايته لهذا الغرض أمر يثير الانتباه كثيرا في هذا الظرف بالذات، والتفويض الشعبي قد يكون (خلافا للديمقراطية) بلا حدود، فهو يخلق انطباعا عاما بأننا في حملة انتخابية مبكرة، والحال أن الدستور (بصيغته الحالية وقبل تنقيحه) لا يسمح للرئيس بأكثر من دورتين!

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات