في خدعة سيارة لكل أسرة بلا ضرائب التوريد الفاحشة،

مما يتندر به الناس أن "الحاكم" في تونس يحصل منك ضرائب على السيارة أكثر من المصنع الذي أنفق عليها مهندسين ودراسات وتجارب واستثمارات طائلة للمصانع وعمالا وشبكات إشهار واتصال ولوجستيك وخدمات، لكن لنتوقف عند المشروع المغري "سيارة لكل عائلة" حيث المشكل ليس في ثمن السيارة، بل في اعتبارها وسيلة ابتزاز لمن يرغب فيها،

أولا: هو مجرد مشروع من عدد قليل من النواب، لم نسمع بعد رأي وزارتي المالية والتجارة ورئيس الحكومة، ولا حتى السلطة المطلقة العليا للرئاسة حول هذا الموضوع، قد يمر بالجلسة العامة، لكن قد لا يكون أكثر حظا من قانون الضريبة على الثروة أو قوانين أخرى تم إقرارها ونسيت،

ثانيا: يكمن "الشيطان" في التفاصيل التي تم أو سيتم إدخالها على مشروع القانون والتي تجعله مفتوحا على كل الاحتمالات ومنها سقف عدد توريد السيارات (10 آلاف سيارة إزاء طلب يتجاوز 30 ألف سيارة سنويا)، أية فوارق كبيرة بين العرض والطلب تؤدي إلى الاحتكار والرشوة والفساد كما في حالة السيارات الشعبية (انتظار لعدة أعوام) إلى أن يتم إشباع السوق وإغراقها بالسيارات،

ثالثا: يتم إعداد موارد الميزانية في شهر ماي بناء على الموارد/الإنفاق، وأي مشروع قانون يمس موارد الميزانية يجب أن يعود أصلا إلى رئاسة الحكومة والمالية والوزارة المعنية (التجارة) لإعادة صياغة باب الموارد وتعويض الناقص من أي مشروع يوافق عليه النواب،

رابعا: لا شيء يضمن تطبيق أي قانون من قوانين الدولة حتى إذا تجاوز كل العقبات والخباثة متاع اللوبيات، لأن الحكومة والإدارة ستحتاج قوانين ترتيبية لتطبيقه، هذا يأخذ أشهرا لتغيير الواقع وربما أهداف القانون نفسه ليصبح احتكارا لشركات توريد السيارات مثلا مع عمولات تحددها الجهات المستفيدة،

حسنا، لنعد إلى المشكل من أصله،

بعد فشل التعاضد في تونس، اختار "الحاكم" في 1972 المراهنة على التونسي ذي الأجر الضعيف لأجل جلب الاستثمارات الأجنبية، هذا الحاكم هو الذي جعل من السيارة، إزاء تفشي الفقر والاستثمار فيه، علامة وجاهة واستقلالية وثراء وقدرة على الحرية "لا مبرر لها" ففرض عليها ضرائب مجحفة لا تكاد توجد في أي بلد في العالم،

لعلاج الأجر الضعيف، قدم "الحاكم" الدعم المزيف للمواد الأساسية في إطار "تأكل وتشرب وتحمد ربي"، أنا أتحدث عن زمن كانت فيه سيارة المعتمد فولسفاغن كوكسنال بالممشى على الجنب ليقف فيه "الصبايحي"، دعم "الحاكم" أيضا النقل العمومي والصحة والتعليم ووفر ما أمكن منها، الخلاصة: استثمر في الفقر وليس في الغنى والشبع وتطوير مستوى العيش، النتيجة: عندنا واحد من أضعف متوسط الأجور والأقل مقدرة شرائية في العالم العربي 530 دولارًا أمريكيًا، أقل من معدل سدس الأجر الأوروبي 3000 آلاف دولار، هو مبلغ يأخذه عامل غسيل الماعون في مطعم أمريكي في أربعة أيام،

شركات صناعة السيارات تعمل على صنع موديلات لا يتجاوز ثمنها 6 أشهر عمل للأجر الأدنى، باقي الموديلات تخضع للتبديل كل 3 أعوام مثلا، المهم ان تستمر المصانع في العمل، ترسل السيارات المستعملة بعد تحديثها إلى مجتمعات فقيرة لتباع بسعر الجديدة،

أما في تونس فقد استمر "الحاكم" في اعتبار السيارة علامة ثراء تستحق ضرائب بأكثر من 50% من ثمنها في المصنع لمن يجرؤ عليها، عندما تشتري سيارة قديمة من أوروبا مثلا بـ 3 ألاف أورو، سيقول لك الحاكم: "لا، قيمتها 8 آلاف أورو" وعليه، تكون الضرائب على ما قرره الحاكم وليس سوق السيارات المستعملة في أوروبا،

كان "هذا الضغط الجبائي المجحف" سيكون منهجيا صحيحا لولا مشاهد آلاف الناس رجالا ونساء وأطفال مدارس يتقاتلون على سيارات النقل الجماعي الانتحارية والنقل الموازي الذين يختنقون جميعا في مداخل المدن بسبب طرقات لم تصمم لتحمل كل ذلك العدد من السيارات الذي يمكن احتواؤه في شبكات نقل حديدي كهربائي،

وين الظلم: الأوروبي تتوفر له وسائل النقل العمومي المريحة كامل ساعات النهار بأوقات ثابتة حد باب البيت مع السيارات التي تتكلف له أجر ستة أشهر مقابل التونسي الذي لا يجد وسائل نقل عمومي مقابل سيارات تقارب ثمن منزل، إنه من الجنوني أن تباع سيارة عمرها 20 عاما بـ 560 مرة الأجر الأدنى؟ (25 ألف دينار)

وين الظلم أيضا: تمشي تعمل عامين بين عمل وآخر في ليبيا، تحصل امتياز توريد سيارة في الخليج بعشرين ألف دولار، تبيعها في تونس بـ 120 الف دينار، تمشي تقري معلم أو أستاذ في أرياف الشمال الغربي لثلاث سنوات، تمشي على ساقيك في الطين والأودية، تبيت في بيوت بلا تدفئة ولا ماء ولا كهرباء أحيانا، لكن عليك أن تشتري سيارة بضعف ثمنها للشعوب الغنية، لأنك في دولة تنهب مواطنيها باعتبار السيارة أغلى من المخدرات،

الحل المنطقي:

أريد نقلا عموميا قارا أثق به لعملي ولعائلتي، أريد سيارة للعطل العائلية والصيف والرحلات لاستكشاف الوطن الجميل والاقتراب من الناس والثقافات التي لا أعرفها، وفي كل الحالات، ليس من المعقول أن تأخذ الدولة مني أكثر مما يستحقه المصنع لصناعة سيارة،

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات