سورية :صراع البنى والمستقبل .

طرحت علينا ثورات الربيع العربي عمومًا، أسئلة إما أنها لم تكن في الحسبان، أو أن الشروط المعيشة لم تكن تسمح بإبرازها أو الإجابة عنها، أو لأن العقل البليد لا يستطيع أن يرى إلا ما هو في متناول الحس.

من هذه الأسئلة: هل الصراع المسلح الآن، بين القوى الرافضة للنظام وقوى النظام، صراع أفراد أم صراع بنى؟

فرضيتي تقوم على ما يلي: لو تركنا جانبًا جمهورًا من النخبة ذات الفردية العالية؛ فإن البنى هي التي تتصارع اليوم في بلاد العرب، وبخاصة في بلاد الربيع العربي، والفرد الذي كان في حال نسيان مؤقتة سرعان ما تذكر انتماءه للبنية.

فالطائفة والطبقة والمنطقة والإثنية والقرية والمدينة والسلطة والحزب هي مفاهيم دالة على بنى تكونت تاريخيًا، وتعيد إنتاج نفسها بتكون جديد وتغتني بعناصر جديدة، وشروط حياة متغيرة. فالفرد -والحال هذه- هو التكثيف الشديد للبنية التي تمشي على قدمين.

البنية هنا، جملة من العلاقات الترابطية بين عناصر داخلية مادية وذهنية، تحافظ على استمرار البنية واستقلالها الذاتي، إذا لم تتوافر شروط تاريخية لانهيارها.

فالطائفة، مثلًا، هي بنية تنطوي على جملة عناصر أساسية: المعتقد، الثقافة، الذهنية، الانتماءات الطبقية، الوعي الذاتي، الأوهام. لكن العنصر الأساس الذي يمنح البنية الطائفية وجودها هو الشعور الواعي بالانتماء الديني.

والبنية القروية بنية تكونت في العلاقة الساكنة مع الأرض، ومجتمع القرية ذي علاقات القرابة القائمة على رابطة الدم، والمطبوخ البسيط، والوعي الضيق بالعالم. فيما البنية المدينية بنية أرحب، وذات علاقة بالحرفة والتجارة والسوق وعلاقات العمل والازدهار الثقافي. وقس على ذلك بنية القبيلة، والطبقة والمهنة وهكذا.

الدولة الحديثة، بالمعنى السياسي الفلسفي للكلمة، هي التي نقلت وتنقل المجتمع من بناه الصلبة المغلقة إلى بنية مجتمعية ذات ولاء وانتماء للدولة، دون أن تلغي تمامًا مظاهر البنى القديمة، لكنها مظاهر لا تعبّر عن ماهية الدولة الحديثة، وهذا ما عبّر عنه الفكر السياسي بمفهوم المواطنة، حيث المواطنة ليست فقط مساواة الناس في الحق والواجب والحرية فقط، وإنما التحرر من سلطة البنى الضيقة، وتحرير المجتمع من صراع البنى المغلقة، فالطائفة لا تزول في الدولة الحديثة، بل الذي يزول هو الطائفية كبنية تصنع الفرد.

وإذا أخذنا سورية مثالًا، لنطبق عليها أطاريحنا السابقة؛ فالذي نخلص إليه هو الآتي:

كانت سورية المستقلة حديثًا سائرة في طريق الرأسمالية، والرأسمالية تشكيلة اقتصادية – اجتماعية أهم ما ينتج عنها توحيد المجتمع عبر توحيد السوق، وقيام الدولة الرأسمالية بعملية تحطيم البنى ما قبل الرأسمالية، فالإنتاج الزراعي الرأسمالي يحطم العلاقات الفلاحية التقليدية، وما يرافقها من قيم وعادات ووعي. وقد أدى انقطاع حركة التطور الرأسمالي، قبل إنجاز الحد الأدنى مما يجب إنجازه رأسماليًا، إلى بقاء أساس البنى القديمة.

لم تفشل الجماعة الحاكمة التي استولت على السلطة عام 1970 في بناء الدولة الحديثة؛ لأن إنجاز هذا الأمر بالأصل لم يكن ضمن استراتيجية حكمها، إذ كان هدفها الرئيس هو البقاء في السلطة عبر قوة مسلحة عنفية ذات عصبية ضيقة، وكانت تقيم علاقاتها مع بنى مجتمعية ما قبل الدولة؛ لأن بناء الدولة لا يستقيم مع سلطة ذات عصبية ضيقة تحكم بالقوة.

كان لا بدّ، من أجل تحقيق ذلك، من توفير مؤسسات القوة العنفية منذ السنوات الأولى من جهة، وتوفير الأشكال الخارجة على الطريقة السوفيتية التي لا توحي بالعصبيات الضيقة، من جهة ثانية، والتي بدورها ستخضع لمؤسسات القوة.

فكانت مؤسسة الجيش المعبّرَ الأبرز على استمرار البنية التقليدية الريفية من جهة، والمناطقية والطائفية من جهة ثانية، وداخل هذه المؤسسة نمَت أسوأ ظاهرة عسكرية في تاريخ بلدان العالم، وهي ظاهرة “سرايا الدفاع” التي قامت على مبدأ الاستباحة خارج أي سلطة عليها، من استباحة القيم إلى استباحة الحق بكل أنواعه. أما مؤسسة العنف المطلق فكانت أجهزة الأمن بكل أنواعها، وقد تحولت إلى سلطة مطلقة، لم يكن همها الحفاظ على السلطة عبر العنف غير المسبوق فقط، وإنما الحفاظ على البنى التقليدية للحيلولة دون قيام مجتمع المواطنة. كل ذلك ترافق مع تحطيم للنخبة الأهلية والاقتصادية الريفية والمدينية، ومن جميع الطوائف الإسلامية والمسيحية، التي كانت تتمتع بسلطة أخلاقية واجتماعية، حيث تحولت فروع الأمن ومفارزها ومخبروها وبعض قيادات المؤسسات الحزبية، إلى بديل مفروض، ولكن غير معترف به أخلاقيًا.

لم تدرِ الجماعة الحاكمة أنها، بسياستها هذه وحرمان المجتمع من تكوين شخصيته السياسية والمدنية والاقتصادية خوفًا من المجتمع، أبقَت على البنى التي ليس باستطاعتها أن تلجم عنفها، حين يصير الصراع صراعًا بين بنى.

حين بدأت الثورة السلمية ذات الروح الشبابية غير الطائفية؛ سارع النظام إلى استخدام بنيته الطائفية فورًا بأدواتها العسكرية والأمنية، وانشق جزء من العاملين السنّة في الجيش، ضباطًا وصف ضباط وجنودًا، ولم يطل الوقت حتى انتقل استخدام العنف، كردة فعل طبيعية، إلى جزءٍ من الطائفة السنية. وراحت الحركات السنية وغير السنية تعلن عن سنّيتها في الصراع، عبر الأسماء الدالة عليها: أحرار الشام، جيش الإسلام، فيلق الرحمن، فيلق الشام، جبهة أنصار الإسلام، لواء أحفاد صلاح الدين، النصرة، دولة الخلافة.. إلخ، وفي مقابل هذه البنى المسلحة السنية، كانت أيضًا البنى المسلحة العلوية والشيعية لواء الباقر، لواء أبو الفضل العباس، لواء فاطميون، لواء زينبيون، لواء الوعد الصادق، “حزب الله” اللبناني، “حزب الله” السوري، لواء ذو الفقار، لواء أسود الحسين ولواء الرضا.

وكوّن الأكراد البنى المسلحة الكردية بأهداف كردية، فيما الدروز تولوا حماية مناطقهم، وغالبًا ما وجد بعض المسيحيين في “الحزب السوري القومي” الذي هو الآخر صار طائفيًا، والعشائر هي الأخرى كونت ميليشياتها. وهكذا اجتمعت كل البنى المتخلفة بماهياتها الدينية الطائفية والإثنية والعشائرية في صراع البنى، ولم تعد الجماعة الحاكمة إلا بنية من هذه البنى التي حافظت عليها، وحالت دون انتصار بنية المجتمع – الدولة، وحفرت قبرها بيدها في الوقت نفسه.

وحدها القوى الديمقراطية – الوطنية السورية، وجدت نفسها تعزف موسيقاها الوطنية، خارج هذا النشاز المدمر، وليست بقادرة على الدخول في صراع البنى؛ لأنها طرحت نفسها بالأصل كتعبير عن المجتمع السوري وغايتها الدولة الديمقراطية، ولأن هويتها الفكرية والأخلاقية بعيدة كل البعد عن الهويات الطائفية والإثنية.

بعد أن اتّخذ الصراع الآن صراع البنى المتخلفة، ذات الدعم الدولي؛ فإن القوى الديمقراطية الوطنية المترفعة عن هذا النوع من الصراع، تتمتع بخيال واسع، لم تسطع أن تكون القوة البديلة للبنى.

بل إن صراع البنى أعاد بعض المثقفين، الذين بدا أنهم متحررون من انتماءاتهم البنيوية، إلى بناهم الأصلية وتحولوا إلى مثقفي بنى دينية وطائفية وإثنية وقروية.

هذه البني السابقة الذكر ولدت أنواع من الهوية .

قال لي :تخيل بماذا أسر لي دكتور فلسفة ينتمي إلى الطائفة نفسها التي أنتمي إليها : "أنا لا أستطيع إلا أن أكون طائفياً". من أين نشأت هذه الجبرية في أن يكون المرء طائفياً؟ كيف لم يستطع دكتور يعرف أفلاطون وأرسطو وابن سينا وابن رشد وماركس ويعلمهم أن يتحرر من وعيه المتعصب المتخلف في الانتماء؟ وهل يقود الانتماء إلى طائفة ما إلى عصبية طائفية بالضرورة؟ وما هي الوظيفة التي تقوم بها عصبية طائفية متعصبة؟

و شخص آخر منعه تعصبه القومي من أن يكون له شأن في عالم الفلسفة. وراح يُظهر تعصبه القومي في خطاب أيديولوجي مناهض للعرب.

أن يكون المرء منتمياً إلى طائفة تكونت عبر التاريخ فهذه حال معقولة، لكن التعصب الطائفي ليس الانتماء إلى طائفة، بل انتماء يقود إلى كره المختلف ويبني علاقة بتاريخ متخيل وسردية تلقي بالمسؤولية على هذا المختلف باضطهاد ما، ويتحول هذا الكره إلى حقد تاريخي يولد الرغبة بالانتقام والثأر.

فالطائفي الشيعي العلوي أو الدرزي أو الإسماعيلي لا يكره المسيحي المختلف، لأن المسيحي ليس آخر في سردية تلومه. إن الآخر المكروه هنا هو السني.

بالمقابل إن السني المتعصب لا يعيش سردية تتحدث عن مسؤولية الطوائف التاريخية في عذاباته، ولهذا فهو ليس كارهاً بحقد، بل ينظر بعين الإقلال من شأن الطوائف ويشك بانتمائها إلى الإسلام الصحيح وينال في السردية الشعبية من كل ما يختلف عن السنة بوصفهم يمثلون الدين الصحيح دون باطنية. إذاً الانتماء الطائفي لا يقود بالضرورة إلى تعصب طائفي،

*

وقس على ذلك فإن الانتماء القومي هو الآخر لا يقود حتماً إلى تعصب قومي.

فالتعصب القومي ليس حباً وفخراً بالإنتماء القومي، بل كرهاً لقومية أخرى، وتخيل سردية قومية لا تنتمي إلى الواقع.

ولهذا فإن السؤال الأجدر في البحث عن جواب عنه هو: ما هي الشروط التي تحول الانتماء الطائفي والقومي إلى تعصب، إلى طائفية تنطوي على حقد وعنف؟ إلى قومية تؤسس وعيها على كره قومية أخرى.

ما الشروط التي تحول الدين إلى تعصب ديني والانتماء القومي إلى عنصرية قومية.

إن التعصب الطائفي ليس سوى التعبير الأيديولوجي الزائف لعصبية تسعى نحو السيطرة أو مسيطرة، أو مواجهة طائفية مع طائفة مسيطرة. وفي كل شر.

ولا شك عندي بأن فهم الشروط لا يعني تبرير هذه الواقعة الخطيرة، بل تسمح لنا بأن نفكر في العالم الذي يحول دون وجود هذه الكارثة.

الطائفية والعنصرية وما شابه ذلك داء وليس مرضا عارضا ،ومن أهم عوارضه موت الخلايا الوطنية والإنسانية المسؤولة عن حماية الانتماء والعيش المشترك بين المختلفين.

وتزداد خطورة هذا الداء إذا توارثته اﻷجيال. أما إذا اشتعلت صراعات دموية بسببه فالشفاء منه يكون صعبا جدا.

ولهذا فلبنان منذ أول حرب أهلية عام 1860 وحتى اﻵن لم يتحول إلى وطن. فوجود سلطة ومظاهر دولة خارجية وبطاقة هوية وجواز سفر مع هوية انتماء طائفية قابلة للاشتعال في أية لحظة كل ذلك لا يعني وجود وطن.

وقس على ذلك الكارثة السورية التي تولدت من طائفية السلطة العسكرية الأمنية الإعلامية والتي خلقت التعصب لديها وضدها معاً. فأية أقلية لا تستطيع أن تحكم بالعنف إلا إذا ولدت لدى المنتمين إليها عصبية متعصبة. وباستمرار هذه العصبية المتعصبة فإنها تحول الوطن إلى خراب خفي سرعان ما ينفجر .

وأي سلطة دولة أو شبه دولة تميز بين مواطنيها في الحقوق والواجبات بعامة وبسبب الإنتماء القومي بخاصة تخلق التربة الصالحة لنمو بذور التعصب القومي.

فالوطن وجود يحقق لساكنيه الأمن والحرية السياسية والاجتماعية والتساوي في الحقوق والواجبات.

إنه المواطن نفسه. ويخلق الشعور المشترك بهذا كله، أي إن الواقع يجب أن ينعكس في الشعور بالانتماء.

إذاً هناك تناقض شديد بين الطائفية والوطن، بين العنصرية والوطن . وكل كفاح إذا لم يتحرر من داء التعصب الطائفي والقومي لا يؤدي الى ولادة وطن.

الخطاب الطائفي خطاب خطير كخطورة الوقائع الطائفية. والخطاب التعصبي القومي هو الآخر كارثي. ومواجهة وقائع طائفية بمواقف طائفية مضادة مواجهة زائفة، كما إن مواجهة تعصب قومي بتعصب قومي آخر لا ينجب إلا الكوارث المجتمعية.

بل قل إن العنف الذي نشهده في بلادنا ليس إلا أحد وجوه التعصب .

تحمل الثورة- أية ثورة والحروب الأهلية وعصبيات السلطة – جميع الهويات على الظهور دون قدرة على التحجب . ذلك إن من شيمة المرحلة المتفجرة التي تشهد صراعاً وصراعاً دامياً أحياناً أن تفجر الهويات كلها، من الهوية الأيديولوجية إلى الهوية المناطقية و الهوية الطائفية مروراً بالهوية القومية .

ومن فضائل الثورة السورية أنها كشفت الهوية ممارسة قولية وممارسة عملية وبخاصة هوية المثقفين .

أحصر إهتمامي في مقالتي هذه في نوعين من الهوية . الهوية النائمة و الهوية المتخفية .

الهوية النائمة هي في الأصل هوية ضعيفة نوعاً ما، وإلا لما غفت أصلاً، وما كانت لتغفو إلا لأن هناك هوية أقوى قد احتلت المكانة الأرأس في الذات .

ففي لحظة من لحظات الوعي الأيديولوجي – السياسي بالعالم تنتصر الهوية الأيديولوجية و الفكرية، فإما أن تصبح هوية دائمة قابلة للتجديد ويعبر عنها قولاً وفعلاً . فتنتصر على سواها من الهويات التي ورثتها الذات كالهوية اليسارية أو الهوية القومية العربية أو الهوية القومية السورية أو الهوية العلمانية أو الهوية الفلسفية، وإذا ما نظرنا إلى هذه الهوية عن طريق السلب فإنا نتحدث هنا عن هوية تنفي ما يتناقض معها داخل الذات نفسها .

فإذا كنت قومياً مثلاً فإنك – ولا شك – تنفي هوية طائفية و إقليمية إذ من المستحيل أن تجتمع هاتان الهويتان معاً. وإذا إجتمعت هويتان غير متناقضتين كالهوية القومية والهوية الوطنية فإن أحداهما ( أحدهما ) يجب أن تتفوق على إخرى سلوكاً على الأقل.

أو إن الهوية المنتصرة أيديولوجياً وفكرياً وفلسفياً هي منتصرة في حدود تراجع الهوية الأضيق إلى الخلف وعندها تغط بالنوم ولا تستيقظ إلا إذا جاءت ظروف حملتها على الإستيقاظ.

وعليه فإستيقاظها من حيث درجة نشاطها متوقف على الموقف نفسه وطبيعته، وهناك إختلاف بين إستيقاظها لدى الفرد وإستيقاظها لدى الجماعات.

فلقد مضى زمن طويل قبل أن تستيقظ الهوية الطائفية في المجتمع السوري، وقبل أن تنتقل من عفويتها الطبيعية إلى قصديتها السياسية كما نرى الآن. فالأيديولوجيا البعثية و الناصرية والسورية القومية والشيوعية تقاسمت هوية السنة و العلويين و الدروز والإسماعليين والمسيحيين ولم تستطع حركة الإخوان المسلمين أو حزب التحرير أن تحتل المكانة التي إحتلتها الناصرية مثلاً.

وظلت الهوية السنية هوية بسيطة خارج حدود الممارسة السياسية و الوعي الذاتي . وهذا حال هوية الأكثرية بعامة.

وقس على ذلك باقي الهويات السورية بإستثناء الهوية الكردية التي لم تسمح لها ممارسات الأنظمة أن تتحول إلى هوية نائمة أصلاً.

غير أن شدة وعي الأقليات بهويتها أكثر من شدة وعي الأكثرية عموماً. وهذا يعود إلى بنية الجماعة النفسية.

فالشعور برغبة الحضور لدى الأقليات يولد لديها تضامناً قوياً من جهة ونزوعاً نحو تبني هوية جامعة والدعوة لها لتحقيق المساواة مع الأكثرية.

وفي كلا الحالين لا تحملها هويتها – من حيث المبدأ – على نزوع طائفي، ولكن هويتها متيقظة أكثر بسبب إحساسها بالإختلاف . وهذا أمر طبيعي .

ويجب الإعتراف أن الهوية السنية النائمة في سوريا لم تستيقظ إلا بعد زمن طويل من شعورها بالغبن التاريخي وعدم المساواة أمام السلطة الحاكمة التي إحتكرت بشكل شبه كامل عنصر قوة الدولة : الجيش والأمن وما جر ذلك من توسع سلطتي الجيش والأمن ليشمل حياة المؤسسات جميعها.

و الإشارة إلى هاتين الهوتين كان يتم سراً وعلانية أحياناً غير أن إستيقاظ الهوية السنية وضع النظام في ورطة تاريخية لم يفكر بالخروج منها أبداً على المستوى السياسي والمجتمعي.

لم تكن تجربته مع العنف الإخواني وإرهاب الطليعة المقاتلة إلا عبر العنف و الإرهاب نفسه. ولم يفكر بتجاوز الشروط التي أنتجت حالة العنف و الإرهاب فبقي في ورطته التاريخية والتي وصلت أعلى درجاتها بأن وجد نفسه يخوض حرباً ضد الحركة الشعبية أولاً ثم ضد جيش من المقاتلين الذين قرروا تغير واقع الحال بالقوة.

في مقابل الهوية السنية والهويات الأخرى النائمة التي إستيقظت على نحو نشط كانت تعمل على الأرض هوية متخفية لدى المثقفين بالأساس.

والفرق بين الهوية النائمة التي إستيقظت والهوية المتخفية أن الأولى نامت بفعل غير إرادي وإستيقظت بوصفها رد فعل فيما الثانية حاضرة في الوعي ومتخفية بفعل إرادي عبر قول غير طائفي وهنا تكمن الخطورة.

كانت الهوية المتخفية تمارس التقية عن عمد ولكنها في الوقت نفسه كانت سعيدة بإنتمائها الطائفي.

ما إن قامت الثورة وصار لزاماً على جميع المثقفين بعامة أن يتخذوا الموقف سراً أو علانية ما عادت الهوية المتخفية قادرة على التخفي فأعلنت حقيقتها بوصفها جزء من النظام القاتل وذلك بحجة مواجهة المد الإسلامي الأصولي.

والحق أن لعنة السلطة لم تسمح لنمط من للهوية المتخفية إلا أن تعلن عن موقفها على نحو يدعو إلى القرف وبدل أن تقدم البديل السياسي العلماني – الديمقراطي – البديل الوحيد الذي ينقذ سوريا تاريخياً راحت تكيل الإتهامات للعلمانيين و اليساريين و الديمقراطيين الذين يدافعون عن المستقبل الديمقراطي – العلماني لسوريا بأنهم عادو إلى سنيتهم أو مالو إلى الحركات الإسلامية، أو عبروا عن أحقاد خفية . وكان سلاحهم في ذلك الشتيمة.

مع أن جميع اليساريين و القوميين والعلمانيين بما فيهم من دخل السجون بذلوا جهوداً هائلة مع النظام لإخراجه من ورطته التاريخية ومساعدته على إتخاذ مشروع جديد للإنقاذ، ما من مثقف يساري ديمقراطي إلا وكان يدرك الخطر المحدق بسوريا المستقبل . وهؤلاء لم يكن لديهم أصلاً هوية نائمة، فيما كانت الهوية المتخفية تمارس نوعاً من الإلهاء والشطارة الزائفة والغباء التاريخي .

كان أصحاب الهوية المتخفية سعيدين بعلاقات القرابة وثقة السلطة مهما كانوا نقديين، بل ربما كانوا يدفعونهم للقيام بعملية نقد لإكتساب شرعية ما.

كانوا يتطاولون على مديريهم و رؤسائهم بكل فجور، ويعتبرون ذلك شجاعة، ويتحدثون عن ذلك في مجالسهم.

لم يكن يدر في خلدهم أن المدير و المسؤول الذي إستيقظت هويته النائمة ينتظر اللحظة ليحولها إلى هوية مقاتلة . وإن وراء الخنوع حقد يغلي. بالمقابل فإن الهوية السنية المتخفية راحت تعلن عن نفسها بنوع من الحقد القاتل كي تنتقم من إخفائها .

هل هناك من خطر لاحق ليقظة الهوية النائمة وإنكشاف الهوية المتخفية ؟.

نعم هناك خطر وخطر كبير . فالهوية المتخفية و المستيقظة بعد أن تحولتا إلى هويتين مقاتلتين فإن فكرة التسامح لديهما ستضعف لزمن ليس قصيراً، الهوية المنكشفة بعد الخفاء عزلت نفسها عن أن تكون جزء من قوى المستقبل .

والحق أن الهوية المستيقظة – بوصفها هوية ضعيفة – ستعود إلى حالها النائمة وقد تنتصر لديها مرة أخرى الهوية الكلية وهي وحدها – أي الهوية الكلية – المواطنة – الدولة الديمقراطية العلمانية ستحرر الهوية المتخفية من إرثها السيئ وستحول دون يقظة الهوية النائمة.

إن أخطر ما يواجهه المجتمع – أي مجتمع – هو صراع الهويات ولاسيما صراع الهويات الدامي، وليس هناك إلا حل واحد وحيد ألا وهو قيام الدولة الديمقراطية المدنية العلمانية التي تحوّل جميع الهويات إلى هوية وطنية وتجعل من ثقافاتها ثراءً يغني الحياة.

ثار السوري على دولة السلطة، دولة السلطة ليست دولة. دولة السلطة ديكتاتور مطلق السلطة، عصبية السلطة جيش طائفي وجهاز أمن طائفي، انتخابات شكلية زائفة لرئيس شرطه بالدستور أن يكون مسلماً، انتخابات زائفة لأعضاء مجلس الشعب، تنمر السلطة وجمهور عصبيتها على الأكثرية، قامت ثورة شعبية تحولت إلى ثورة مسلحة، قامت دولة السلطة بقتل مئات الآلاف من السنة وسجن مئات الآلاف من السنة وتدمير مئات الألاف من بيوت السنة في مدنهم وقراهم وتهجير ملايين السنة في الداخل وإلى الخارج.

وحصل ما لم نتوقعه، قام المعارضون الإسلاميون بقيادة أحمد الشرع بالإجهاز على دولة السلطة وفر الدكتاتور وبعض أدواته إلى روسيا. أسس الشرع جيشاً عقائدياً من الفصائل الإسلاموية المسلحة التي حكمت إدلب، ونقل سلطة إدلب إلى العاصمة بوصفها سلطة لكل سوريا.

إذاً انتقلنا من دولة سلطة إلى دولة سلطة مع الفارق بأن دولة السلطة الجديدة ذات عصبية سنية أكثرية انفجر مكبوتها الشعوري ضد من يجرؤ على النيل من السلطة الجديدة.

لكن هناك ثلاث جهات لا تعترف بأعماقها بهذه السلطة في صورتها الراهنة: أقلية كردية، أقلية علوية وأقلية درزية، مع أن الأقلية الكردية تنتمي إلى الأكثرية السنية والأقلية العلوية والدرزية تنتميان إلى الأكثرية العربية، إذاً الأقليات تنتمي إلى الأكثرية السنية والعربية، وقس على ذلك انتماء المسيحيين إلى الأكثرية العربية باستثناء الأرمن.

هذه ببساطة هي الحالة السورية بدون أي تعقيد. لكن هذا البسيط الواضح قد خلق المعقد الذي يقوم بعضهم بتبسيطه.

كيف نشأ هذا المعقد؟

لما كانت الثورة، بالأصل، ثورة على دولة السلطة فالبديل إذاً الإنتقال إلى الدولة وسلطة الدولة، وليس الإنتقال من دولة سلطة إلى دولة سلطة أخرى، حتى لو كانت دولة السلطة الجديدة تتمتع بتأييد الأكثرية السنية.

الدولة الجديدة البديلة يجب أن تكون دولة المواطنين المتساويين في الحقوق والواجبات.

الحقوق والواجبات المتساوية يحددها دستور ينص على ذلك صراحة ((جميع المواطنين السوريين متساون بالحقوق والواجبات بمعزل عن الإنتماء الديني والقومي)).

هذا المبدأ يقود مباشرة إلى انتاج سلطة الدولة عن طريقة الإنتخابات الحرة والنزيهة المؤسسة على التنوع السياسي الحزبي والمدني. مع الإستقلال الكامل لمؤسسات الدولة الإدارية.

هب إن النظام السياسي جمهوري على الطريقة الأمريكية أو الفرنسية فحقوق المواطنة تمنح أي سوري الجنسية بمعزل عن دينه وقوميته أن يترشح لرئاسة الجمهورية. ولا يجوز بأي حال من الأحوال سلب هذا الحق عن أحد.

وإذا فكرنا عقلياً ما حاجة الدستور إلى تضمين بند يقول: رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسلماً إذا كان المسلمون يشكلون تسعين بالمئة من السكان؟ فإذا كان الدستور واضح بتحديد صلاحيات الرئيس وخضوعه للإستجواب من المجلس النيابي الخ، فما الحاجة إلى تحديد الإنتماء الديني للرئيس؟

وقس على ذلك إذا كان نظام الحكم برلماني على الطريقة الإنكليزية.

لكن تحقيق قيام سلطة الدولة هذه أمر معقد جداً، وليس بهذه البساطة في وطن مدمر سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً وأخلاقياً، والجماعات المسلحة عدد ولا حرج والتدخل الخارجي قوياً.

لنأخذ مبدأً أساسياً من مبادئ الدولة ألا وهو احتكار القوة. فما هي الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا المبدأ مع وجود مليشيات مسلحة علنية وسرية ومدعومة من قوى خارجية من جهة، وعدم الإعتراف بدولة السلطة التي تسعى في خطابها على الإنتقال إلى سلطة الدولة، من جهة ثانية. إن حل هذا المعقد ليس أمراً بسيطاً. واتراجيديا محافظة السويداء شاهد على ذلك.

والحق بأن إعلان الدولة السورية الأولى في الثامن من آذار ١٩٢٠ الذي تم في المؤتمر السوري الذي عقد في دمشق تجربة يمكن الإتكاء عليها.

فقد كان هناك ممثلون عن جميع المدن السورية من دير الزور إلى يافا.

والحق بأن إيجاد طريقة عادلة لانعقاد مؤتمر سوري لممثلي كل محافظات القطر للتداول في شأن الدولة وسلطة الدولة ومؤسسات الدولة واحتكار القوة فكرة قابلة للحوار وعلى نحو عاجل.

لكن هناك مشكلة في غاية التعقيد ومن الصعب تبسيطها وهي تجاوز تحطيم القيم الذي تم عبر عقود من الزمن والذي أضعف الإنتماء الوطني والأخلاقي، لأن تجاوز القيم المحطمة وما ولدته من ذهنيات عنفية تنفي الآخر يحتاج إلى زمن طويل.

إن انتقال سوريا من دولة السلطة إلى الدولة الديمقراطية وسلطة الدولة لا يتم ولن يتم بالصراع المسلح بين أكثرية مدنية وفلاحية وبدوية سنية تؤيد السلطة الجديدة، من جهة وأقليات فلاحية لا تعترف بالسلطة الجديدة، من جهة ثانية، بل بذهنية مدينية تؤمن بالحوار السياسي بين نخب كل مكونات المجتمع السوري المستندة إلى قيم الإعتراف بالحق والمساواة والمواطنة.

سوريا والقطيعة التاريخية:

قد الفيلسوف الفرنسي باشلار في زمانه مصطلح القطيعة المعرفية /الإبستيمولوجية لفهم تطور العلم. والمثال المشهور على هذه القطيعة هو الانتقال من المصباح الذي يعمل بالزيت واحتراق الفتيل إلى النور الكهربائي. والحق أن العلم يتجاوز ذاته باستمرار. والانتقال من نيوتن إلى إينشتاين شاهد على ذلك.

والسؤال هل هناك قطيعة تاريخيّة شبيهة بالقطيعة الإبستيمولوجية؟

يقوم الجوهر الأساسي لتأسيس سورية الجديدة الآن في تحقيق القطيعة المطلقة مع ماهية البنية الأسدية وتأسيس بنية دولة جديدة، هذا أمر تاريخي يحتاج إلى زمن ليس بالقصير.

ما هي القطيعة التاريخية السورية الآن : الإنتقال من الثورة إلى الدولة، ومن دولة السلطة إلى سلطة الدولة. وتحقيق المجتمع شخصيّته الفاعلة عبر الحزب والنقابة (الحزب السياسي والمجتمع المدني). وبتحقيق هذا تتم القطيعة التاريخية المطلوبة.

بكلمة مختصرة: القطيعة التاريخية السورية المطلوبة هي سورية المتحررة من الأسدية شكلاً ومضموناً على نحو متجاوز ومنسجم مع روح التاريخ المعاصر والمعيش حيث لا انفصال بين الدولة والحق. الحق هو الذي ينسحب على المجتمع ومكوناته وأفراده وكل حديث عن حقوق الأقليات دينية أو قومية حديث أيديولوجي.

فانتصار حقوق الإنسان والجماعات في دولة الحق هو الذي ينتج المواطنة والمساواة وحق تعبير المجتمع عن تعدده واختلافه وانتمائه الوطني.

فالعنصرية: ليست عاطفة ،العنصرية عقل سياسي وأخلاقي متخلف ذو موقف عدواني من آخر مختلف عرقيا ،متعين بأيديولوجيا من الأكاذيب التاريخية .

والطائفية: ليست هوية ،بل هي الإنتقال من الطائفة إلى التعصب الطائفي ولا تؤمن بالتنوع التاريخي ،بل نزعه تعصبية أقلوية تجمل نفسها أيديولوجياً.

القومجية: ليست حباً للأمة، بل وحدة الغباء العقلي والعاطفيّ المسلح بالحقد والأكاذيب.

والأصولية الدينية: ليست تديناً شعبياً محباً للحياة، بل الهراء الأيديولوجي حباً بسلطة تلعب دور سلطة الإله على الأرض .

كل صراعات بين المنتمين إلى هذه النزعات صراعات قاتلة ومدمرة للحياة.

أما الوطنية الإنسانوية :هي الوطن في أعلى درجات العيش المشترك وحب الإنتماء إلى الوطن.

أما عن انفجار الهوية السنية الآن حسبنا أن نقول:

لم يشعر السنة بهوية تعصب في تاريخهم ولم يشعروا بأنهم طائفة دينية ،لسبب وحيد وهو شعور الأكثرية بذاتها، ولهذا كان حزب الأخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي ،أضعف الأحزاب السورية في المرحلة الديمقراطية.

ولكن الأسدية هي التي خلقت كل الشروط الموضوعية لتشكل الوعي الهوياتي الديني-الطائفي. وأخطر ما تكون من الوعي الهوياتي هو وعي الأكثرية السنية بذاتها بوصفه وعياً بظلم الأقلية الحاكمة. فلقد مست حالة التنمر الطائفي الأسدي طويلة الأمد بشعور الكرامة السنية بذاتها ،وكونت ظاهرة التمييز في المكانة الشعور بالضغينة، وهكذا نشأ الوعي بالكرامة المهانة لدى الأكثرية السنية حتى لدى سنة النظام ،الذين كانوا أكثر حقداً على النظام كما تبين بعد ذلك.

تحتاج هذه الواقعة لدى الأكثرية من الأكثرية إلى أجيال جديدة لتبرأ منها.

ولهذا فالخطاب الوطني الديمقراطي الوحيد الذي يعيد للسنه وعيها الحقيقي بذاتها السابق على الأسدية .

وإي إحساس جديد لدى الأكثرية السنية بالخطر يذكرها بما فات سيحوّلها إلى بركان ذي نتائج غير محمودة .فاحذروا.

بقي أن نقول حول هذه النقطة:

سورية السنية هي التي تعاني من تدمير مدنها وقراها، ملايين يعيشون لاجئين في الخيام في لبنان وتركيا والأردن وداخل سوريا، مهاجرون إلى بلدان أوربا بعيداً عن لغتهم وعاداتهم وثقافتهم وتقاليدهم ،سجون أكلت مئات الآلاف من أحباء الحياة، مفقودون لا أحد يعلم عن مصيرهم شيء، مقابر جماعية تُكتشف كل يوم، ملايين تحت خط الفقر أدمنوا العتمة بلا كهرباء، مئات الآلاف من المرضي ليس بمقدورهم التداوي، والإنسانويون الإحناء لا شغل لهم سوي القلق على ما تسميهم الأقليات.

منذ تقسيم بلاد الشام استعمارياً من القلقين على مستقبل الأقليات لم تعرف الدولة السورية-الشعب صراعاً لا في مدنها ولا في قراها بين أهليها على أساس ديني أو طائفي أو إتني.

وبعد:

لا مستقبل لسوريا المتحدة أو الإتحادية إلا بإنجاز العقد الوطني والعقد الوطني هو اتفاق ممثلي سكان الدولة على العيش المشترك في دولة تمثل جميع الناس وسلطة ينتجها المجتمع - الناس.

لقد حطمت الانقلابات العسكرية وبخاصة انقلاب حافظ الأسد العقد الوطني السوري الذي أسس سوريا الإستقلال، وتغولت دكتاتورية عسكرية وعصبية متخلفة، فحطم النسيج الوطني السوري، الذي نرى نتائجه الآن، ولا حل إلا بعقد وطني سوري بين جميع فئات المجتمع السوري دون استثناء.

إن العقد الوطني الذي يؤسس لدولة الحق والتعايش والسلم الأهلي، الذي بدوره ينتج العقد الإجتماعي أي السلطة الحاكمة ممثلة لكل المجتمع عبر صناديق الإقتراع ، هو الحل الوحيد لتجاوز الدمار والدماء، وتجاوز أوهام القوى المنهارة في إعادة دولة الغلبة.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات