يوم ذهبت لأقابل حماتي لأول مرة

Photo

وكان لا بدّ مما ليس منه بدّ!

وبعد طول ممانعة، اتّفقت مع الخطيبة على القدوم إلى منزل عائلتها ومقابلة حماة المستقبل للتعرف على أسرتها المضيّقة والموسّعة.. صرخت في أعماقي: جاك الموت يا تارك الصلاة، فلم أكن املك زمنها إلا "مريولا" مخططا اشتريته بدينارين من سوق الجمعة، و"شلاكة بلاستيكية بوصبعْ" و"بونتكور" هو عبارة عن "دجين" قديم أدخلت عليه الوالدة تحويرات رديئة ليصبح "شورطا" معتبرا.. زد على ذلك أن المدام صارحتني بان شكلي العام سيجعل عائلتها ترفضني على الفور، وعليه مطلوب مني أن أحاول ان أرمّم ما افسده الدهر، وما افسده الفقر!! خاصة وأنّ أمها "بلدية" وذوقها بورجوازي ولا يمكن أن تسمح لابنتها ان تقترن ب"واحد" يوحي مظهره انه "بُزقلِّيفْ" وقادم لتوّه "من وراء "البلايك"!!

وقد قضيت أسبوعا ذقت فيه الأمرّين: قصدت حلاّق الحومة وطلبتُ منه أن يجد حلاّ لشعري المجعّد و"خليقتي المبلبزة"، فصارحني بصفاقة بأنه لا هو ولا أمهر حلاّق في العالم يمكن أن يجد حلا لنوعية الشعر الذي حباني الله به، بل إنه قال لي بين الجدّ والهزل: "كان جيتْ كيفك راني قرّعتو ورتَحْت". لكني ألححتُ عليه ان يبتدع أي وسيلة ليحسّن منه على الأقل، وبعد الإنتهاء من مشكل الشعر، كان لا بدّ لي أن أتدبّر اللباس اللاّئق، فطلبتُ من ابن عمّي أن يُعيرني "كُستيما" وحذاء مناسبا، لكن سرعان ما انتبهتُ إلى أن "كُستيمه" فضفاض جدا ولا يناسبني، فاضطررتُ إلى البحث عن "سُوريّة وسروال" مقبولين بشكل ما من دكّان "فريبْ" في أريانة، تكلّفا عليّ معا عشرة دنانير كاملة!!

وفي اليوم الموعود اقتنيتُ "باكو غلّة" و خُبزة "قاطو" رخيصة من عطار الحومة، و"تلْفَنتُ" للمدام أعلمها أنني في الطريق إليها وأنّني سأستقلّ المترو رقم ،2 وبعدها المترو رقم واحد متاع بن عروس وأنّ عليها أن تتنظرني في محطة "محمد علي"..

لم يتوقف قلبي عن الخفقان بشدة.. كنت طوال الرحلة أفكّر في ردة فعل حماتي "البلدية"، واعددتُ نفسي لكل السيناريوهات الكارثية!!

نزلتُ في محطة "مخمد علي" فوجدت المدام تنتظرني هناك، وبمجرد أن رأتني صرختْ صرخة انتبه لها رُوَّاد المحطة جميعا:ـ "اشنوّة اللي لابسو هذا؟"

قالت ذلك وراحت تحاول ان تصلح ما يمكن إصلاحه من ثيابي، وذكّرتني للمرّة الألف بضرورة التزام الصمت وعدم "التفدليك بحكايات الريف والريفيين"، ثم طالبتني ان أتبعها إلى منزل العائلة القريب.. ضغطت على الجرس فازداد خفقان قلبي وندمت على هذه المغامرة غير المحسوبة العواقب، لكن لم يكن أمامي من خيار بعد أن انفتح الباب وأطلّتْ منه حماتي بلحمها ودمها. وبمجرّد أن وقع نظرها عليّ، نظرتْ إلى ابنتها نظرة ذات معنى، ثمّ مدت يدها لتصافحني ببرود ظاهر، تبعتُها إلى داخل المنزل، وقد غلبني الوجوم والإرتباك، فقد كانت حماتي"سُوري" في كل شيء: في لباسها ومظهرها وعطرها، وطريقة كلامها.. وتذكّرت على الفور الوالدة "العربية" التي تلبس "الملية" ولم تتعطر في حياتها إلا ب"القوارصْ" ولم "تمُكيج" إلاّ بالكحل والحناء!!

قادتني حماتي إلى "الصالة"، فوجدتها مرتّبة بطريقة تشي بذوق رفيع..كل شيء في مكانه.. والتُّحف الثمينة تملأ الزوايا والأركان.. "يوما ما سيزوروننا في منزلنا، ماذا سنفعل يا رب؟" صرختْ أعماقي. دخل علينا والد المدام وإخوتها، وسرعان ما لا حظت أنهم كانوا ينظرون إلى ملابسي بطريقة فيها الكثير من الدهشة، وكان واضحا أن المدام في حرج شديد من الأمر..

بادرتني حماتي بمجموعة من الأسئلة "لا تقرأْ لا تكتبْ":

- اشنوة تخدم؟

- أستاذ عربية العام الجاي إن شاء الله..

- أستاذ عربية.. ردّدت أختها الكبرى باحتقار واضح قبل أن تواصل حماتي:

- عندكش دار؟

- لا

- الوالد عندوش ملك وإلا تجارة؟

- لا

- داركم كبيرة؟

- لا

- تسكنو في بُقعة باهية في أريانة؟

- لا..

حاولتُ أن أقطع هذه السلسلة السلبية فأخبرتهم بأنني خِرِّيج دار المعلمين العليا بسوسة وبأنّني سأسعى إلى الحصول على الماجستير والدكتوراة بعد ذلك وأُصبح ذا شأن في تونس وما جاورها.. ردّ حماي الذي كان صامتا طول الوقت:

- وقتاش تنجم تاخو الدكتوراه؟

فأجبته بكل ثقة:

- بعد ثلاثين سنة على الأكثر..

ضج الجميع بالضحك، وبعد دقائق من الصمت الثقيل، قالت لي حماتي:

- شوف وليدي إذا كان هي رضات بيك هي حُرّة!!

وفهمت منها انها غير راضية أن اكون زوجا لإبنتها..

فشربت كأس العصير و التهمت قطعتيْ بقلاوة، واستأذنتُ في الخروج فلم يطلب مني أحد البقاء.. أوصلتني المدام إلى المحطّة وصارحتني أنها رغم كل شيء سترضى بي بعلا فقط لأنّها وجه فقر وربي كاتب عليها الشقاء..

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات