رحلة استبلاه التونسيين

تطل المذيعة التونسية لتستهلّ نشرة الأخبار المسائية الرئيسية لأمس الأول الاثنين بهذا الخبر:

«رحلة بحث التونسيين عن الحليب نصف الدسم، الأكثر استهلاكا وطنيا، رحلة مستمرة بصعابها وإكراهاتها المملّة في غياب زهاء الأربعين في المئة من حاجيات استهلاكهم هذه المادة اللبنية التي يؤكد الأطباء والمتخصصون أنها ليست نافعة البتة للكبار بل أنها مسبّبة لأمراض عدة».

هكذا وبكل بساطة تتوجه هذه المذيعة لتقول لجمهورها إن عليهم الكف عن «رحلة البحث» عن الحليب المفقود في الأسواق فهو في النهاية لا يستحق مثل هذا العناء لأنه باختصار ليس «نافعا البتة»، بل هو «مسبب لأمراض عدة»!! ليس مُهمًّا ما إذا كانت المذيعة تتحدث عن الحليب نصف الدسم أو كامل الدسم أو الخالي منه تماما، وليس مهما كذلك ما إذا كانت ما قالته صحيحا علميا فعلا أم لا، لأن الأهم من كل ما سبق هو أن السلطة التونسية، التي عادت لتحتكر التلفزيون العمومي بعد أن ظننا أنه لم يعد حكوميا، لم تتفتق عبقريتها سوى عن التوجه إلى الرأي العام لتقول له «إحذروا الحليب» عوض أن تشرح له لماذا هو أصلا غير متوفر.

هذا الاستبلاه للناس، في شكله الخام غير المُعالَج بأي شكل، ذكّرني بما حصل في سبعينيات القرن الماضي، على الأرجح، في إحدى جولات الصراع المرير بين النظام في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة والتيار الإسلامي حين عرضت نشرة الأخبار الرئيسية بعض العصي والسلاسل وغيرها من أدوات العنف المحجوزة لدى هؤلاء مع برميل قال المذيع وقتها إنه يحتوي على ماء النار الحارق لكن ذلك لم يمنعه وهو يشرح كل ذلك أن يغمس إصبعه في هذا البرميل للتأكيد على أنه ملآن!!.

خمسون عاما بين اللقطتين تغيّر فيه ماء النار إلى الحليب لكن استبلاه الناس ظل هو نفسه، لكن الفرق بين العهدين أن في الأول كان الناس يكتمون غضبهم وسخريتهم بينما تراهم اليوم يعبّرون فورا في وسائل التواصل الاجتماعي المترصّدة لكل كبيرة وصغيرة. لم يمر خبر الحليب هكذا، بل «استلمه» الجميع وشرعوا في «تتبيله» بكل بهارات السخرية التي بحوزتهم، ومنها مثلا ما قاله عادل إمام في مسرحية «الزعيم» حين جلس بكل خيلاء على الكرسي وهو يقول لمستشاريه «لا بد من توعية كبيرة في كل وسائل الإعلام الغرض منها تعريف الشعب بأضرار الأكل، يكفي أنك تقول إن الشاي والسكر واللحمة وكل هذه الحاجات تسبب الضعف الجنسي عند الرجال، ساعتها الكل يقول يغور الأكل! ».

أسابيع وأسابيع والرئيس قيس سعيّد متمسك باسطوانة مشروخة لا تتحدث سوى عن الاحتكار والمضاربين لتفسير غياب الحليب والزيت والسكر والقهوة والخبز والمقرونة والدواء وغير ذلك، مع أن كل العارفين بالسوق وآلياته لديهم تفسيراتهم الاقتصادية المحددة لكل ذلك وأساسا عجز الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها المالية المختلفة تجاه المزوّدين المحليين والدوليين مما قلّص توفر المعروض وأربك سلاسل التوزيع. وطالما أن تعلّة الاحتكار لم تعد تجدي فكان لا بد من المرور إلى شيء آخر، يبدو أن مضار الحليب هو باكورته الأولى، في انتظار أن نسمع قريبا أن الخبز والمقرونة يسببان السمنة، وأن السكر لا يختلف عن الملح من حيث الأضرار خاصة لكبار السن تجنبا للإصابة بالسكّري، وأن القهوة تسبب التوتر والسهر الذي يصاحبه استهلاك إضافي للكهرباء تثقل فاتورته الشهرية، وأن الدواء عبارة عن تركيب كيميائي لأعشاب محددة من الأفضل أن نعود إلى التداوي بها، كما كان يفعل أجدادنا الأوائل، بعيدا عن المعالجات الكيميائية ونهم شركات الأدوية العالمية.!!.

استبلاه التونسيين، مسار تبارت في محاولة الإبداع فيه جهتان على الأقل: قيس سعيّد وبعض الاعلام التونسي، ولم يحدث أن تقدم أي منها في يوم من الأيام ليعتذر للشعب عن تضليله أو محاولة الضحك عليه، وفيما يلي بعض النماذج ليس إلا:


• رئاسة الجمهورية تعلن عن محاولة اغتيال لقيس سعيد بظرف مسموم ثم يتضح أن المادة التي احتواها لا شيء فيها!

• رئيس الدولة يقول إن مليون و800 ألف تونسي خرجوا في مظاهرة تأييد له وهو ما لم يحدث أبدا!!

• رئيس الدولة ينتقل شخصيا لمعاينة «نفق» في بيت السفير الفرنسي يتضح لاحقا أنها مجرد حفرة لا أكثر ولا أقل!!

• رئيس الدولة يخرج ليلا ويدخل «صدفة» إلى محل بقالة فيجد عنده بكل يسر وسهولة صندوقا كاملا من قوارير الزيت التي يشتكي الناس من فقدانها من الأسواق!!

• سيدة يصفونها بـ«محللة سياسية» في إحدى الإذاعات الخاصة تحدثت عن ثقب في القاعة الشرفية في مطار العاصمة التونسية تهرّب منها حركة النهضة حقائب الأموال الوافدة إليها من الخارج!! وسيد، «محلل سياسي» هو الآخر، تحدث قبل أشهر عن أنفاق حفرتها «حماس» في جبل الشعانبي لمصلحة الإرهابيين التونسيين المتحصّنين هناك!!

وبين «مضار الحليب» في تونس، في انتظار تقليعات أخرى، و«فوائد أرجل الدجاج» في مصر، يتواصل في البلدين النهل من «نفس الكاتالوج» على حد تعبير صديق.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات