دستور 2014 : عذرا ...أنت بريء من عيوبنا و خطايانا !

إن القول بان دستور 2014 هو المسئول الوحيد عن كل أزماتنا أمر غير صحيح و قول مضلل ومخادع فلا شك أن المسؤولية تقع على كثير من الجهات منها ضعف المنظومة الحزبية في تونس وفسادها وهيمنة عقلية الغنيمة عليها كما ميراث الزعامة الفردية الذي يحولها في كثير من الأحيان الى ملكية خاصة و فساد الطبقة السياسية في ظل قضاء تابع يمكنها من الإفلات من العقاب و مجلس نواب كان غارقا في صراعات الكتل البرلمانية في ظل نظام داخلي لا يحفظ النظام صلبه وتوسع في منح الحصانة للنواب مما حول المجلس إلى مكان يختبئ فيه المجرمون والخارجون على القانون و غياب المحكمة الدستورية بوأدها والتي كان من المفروض أن تفصل في كل تنازع على السلطة في نظام تتقاسم فيه ثلاث جهات الحكم وهي السلطة التنفيذية برأسيها والسلطة التشريعية وهو نظام يمكن أن ينشا عنه ( وهو أمر طبيعي ولا مناص منه وموجود في كل الأنظمة المشابهة ) التباس وغموض.

وسلطة قضائية تحوم حولها شبهات فساد تقدم القضاة المشبوهين وتمنحهم سلطة الإحالة والحكم بحسب ما يخدم السلطة الحاكمة وزراء ونوابا ورجال أعمال متورطين مع السياسيين في عمليات مشبوهة كثيرا ما أشارت إليها تقارير هيئة مكافحة الفساد وبلاغات واشعارت منظمات المجتمع المدني المتخصصة في موضوع النزاهة والشفافية في النشاط العمومي خاصة بل أشار إليها بعض النواب كما تحمي القضاة الفاسدين و جو اجتماعي محتقن سادته القطاعية والمطالب المجحفة التي ابتزت الدولة الضعيفة مع الإضرابات العشوائية والاعتصامات التي واجهتها الدولة بيد مرتعشة رغم انها اوقفت عجلة الانتاج في عديد القطاعات لاسيما الحيوية منها مثل الفسفاط و البترول وكلفت الدولة خسارة آلاف من المليارات كانت في حاجة إليها في ظل متاعب اقتصادية هيكلية خطيرة ومتراكمة دفعت الدولة الى مزيد الاقتراض الخارجي والى توريد مواد كانت تونس تصدرها مثل الفسفاط و الأمونيتر المستعمل في الفلاحة.

انضاف إلى كل شلل عمل الحكومة جراء التعطيل الذي مارسه رئيس الجمهورية على عملها لاسيما منذ بداية سنة 2021 عندما رفض قبول الوزراء الذين احرزوا ثقة البرلمان و رفض ان يؤدوا اليمين الدستورية امامه و رفض تسميتهم و اضطر رئيس الحكومة الى اسناد الوزارات الشاغرة الى وزراء مباشرين فأصبح جلّ الوزراء يسيّرون وزارة اصالة و وزارة بالنيابة فهو ايضا مسئول عن تعطل سير دواليب الدولة و قد عبّر عن هذا الرأي الاستاذ عياض بن عاشور في مداخلة له في إذاعة موزاييك الذي اشار ايضا الى رفض رئيس الجمهورية ختم القانون المتعلق بالمحكمة الدستورية و استخلص ان ما كان قام به رئيس الجمهورية مخالف للدستور و اضاف "يبدو انه كان يخطط لتوقيف الدستور و الانقلاب عليه" في اشارة الى قرارات رئيس الجمهورية يوم 25 جويلية 2021 والتي اعتبرها الاستاذ عياض بن عاشور مخالفة للدستور بسبب عدم توفر شروط تطبيق الفصل 80.

لقد اعطت هذه القرارات مزيدا من الذرائع للانقضاض على النظام السياسي الذي جاء به دستور 2014 وهو ككل الدساتير في حاجة الى التعديل ولكن بعد استكمال المؤسسات المنصوص عليها به و الغاية من التعديل هي اساسا مزيد توضيح العلاقة بين راسي السلطة التنفيذية من جهة وبين السلطة التنفيذية والتشريعية من جهة اخرى وقد نكون في حاجة أيضا إلى مراجعة بعض الفصول التي أثارت مشاكل مثل الفصل 89 على وجه المثال لا الحصر في صلة بمنح الثقة للوزراء من المجلس من اجل إعطاء مزيد من الحرية لرئيس الحكومة للتحرك خارج الضغط المسلط عليه باستمرار من البرلمان.

قد نكون في حاجة أيضا وبشكل مستعجل إلى تعديل القانون الانتخابي من اجل تجاوز التشتت الذي عرفه المجلس النيابي منذ انتخاب المجلس الوطني التأسيسي في 2011 ويمكن في هذا الصدد مراجعة النظام الانتخابي لضمان أغلبية متناسقة والأخذ بالاقتراح الذي قدمه المختصون مثل المحافظة على نظام النسبية، مع تعديله عبر وضع نظام لتنفيل الأغلبية بنسبة يتم الاتفاق حولها (15 أو 20 أو 25 بالمائة)، إلى جانب اعتماد عتبة بين 5 أو 7 بالمائة.

لا احد قال إن دستور 2014 دستور مثالي، ولكن من العبث أن نضع على ظهره جميع عيوبنا كما يضع البعض كل عيوبهم على الدهر كما قال الإمام الشافعي وقد استشهد به قبلنا رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر في سياق الدفاع هو أيضا عن الدستور الذي كان واحدا من آبائه المؤسسين.

يقول الشافعي :


نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا *** وما لزماننا عيب سوانا

وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ *** وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا

وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئبٍ *** وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضاً عَيانا

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات