حلم البرلمان التونسي من شارع جول فيري إلى شارع الحبيب بورقيبة

تمر اليوم 9 افريل 2022 الذكرى الرابعة و الثمانون على مظاهرات 9 افريل 1938 التي قام بها التونسيون ضد سلطة الاحتلال الفرنسي مطالبين ببرلمان تونسي له صلاحية التشريع. باعتبارها خطوة نحو الاستقلال . و قد انطلقت تلك المظاهرات في وضع سياسي متأزّم جدّا بين حركة التحرّر الوطني و بين سلطة الاحتلال لاسيّما بعد سقوط حكومة الجبهة الشعبية في فرنسا برئاسة» ليون بلوم . «

كان للباي في زمن الاحتلال صلاحية التشريع بأوامر علية يصدرها ولا يزال البعض منها ساري المفعول مثل مجلة الالتزامات و العقود و المجلة الجزائية و لكن فعليا كان التشريع بيد الاقامة العامة الفرنسية فهي التي تعدّ الأوامر العلية و تحرّرها و تعرضها على الباي ليختمها ثمّ تعرض مشاريع الاوامر على المقيم العام الذي يضع عليها امضاءه و يكسبها الصيغة التنفيذية وهي وضعية كان احتجّ عليها المنصف باي عندا تولّى عرش المملكة التونسية و دخل بسببها في صراع مع المقيم العام.

مات أثناء تلك المظاهرات شهداء برصاص الجيش و الجندرمة الفرنسيين و بعد الاستقلال دأبت الدولة التونسية على احياء هذه الذكرى بعنوان عيد الشهداء و هم شهداء حركة التحرّر الوطني و شهداء المطالبة برلمان تونسي ’ هذا البرلمان الذي سبق ان تحقّق انجازه قبل الاحتلال الفرنسي في قانون الدولة التونسية المعروف بدستور أفريل 1861 و أنجز بعد الاستقلال في دستور جوان 1959 ثمّ في دستور جانفي 2014 لكنه مرّ و يمرّ حاليا بتجارب مريرة بسبب هيمنة السلطة التنفيذية عليه و عدم قبولها للمبدأ الاساسي للعمل البرلماني وهو ان تكون مسئولة امامه عن اعمالها.

1- محمد الصادق باي جمّد البرلمان

ينص دستور 1861 على أن الباي مسئول إذا خالف القانون أمام المجلس الأكبر و هو البرلمان وينص على أن الباي تنحل بيعته إذا خالف عمدا القانون و المقصود بالقانون هنا أساسا عهد الأمان و الدستور لكن اثناء ثورة علي بن غذاهم ارتكب محمد الصادق باي فضائع كبرى بيّنها الوزير المؤرخ احمد بن أبي الضياف في كتابه الإتحاف و لم يكتف الباي بالاعتداء على الحقوق و الحريات المضمونة في عهد الأمان وفي قانون الدولة، بل جمّد البرلمان. فقد كاتب يوم 1 ماي 1864 »رئيس المجلس الاكبر بما معناه : ان المصلحة اقتضت توقيف المجلس الأكبر« [1].

2 – الحبيب بورقيبة والفصل 109 من المجلّة الانتخابية

كان الرئيس الحبيب بورقيبة يخشى بروز المعارضة حتى من بين المنتمين للحزب الاشتراكي الدستوري الذي يرأسه وله عليه اليد العليا فلم يكتف بسيطرة هذا الحزب على مؤسسات الدولة لاسيّما على السلطتين التنفيذية و التشريعية بانتماء اعضائهم الى الحزب الحاكم فأدرج بالمجلة الانتخابية الصادرة في 8 افريل 1968 الفصل 109 الذي ينص على ان كل عضو من اعضاء مجلس الأمة وقع رفته لأي سبب من الأسباب من الحزب او المنظمة التي زكت ترشحه ينتهي انتسابه الى مجلس الأمة.

وكان هذا الفصل سيفا مسلطا على النواب حتى لا تخامرهم فكرة معارضة الحكومة المنبثقة من الحزب الحاكم و تجدر الاشارة الى ان هذا الفصل حذف سنة 1971 عندما عرف الحزب الحاكم نفسا تحرّريا بحجة مخالفته للفصل 25 من الدستور الذي ينص على ان النائب بمجلس الأمة هو نائب عن الامة جمعاء لكن أعيد العمل به سنة 1973 ثم ألغي عندما قبل الرئيس الحبيب بورقيبة بوجود احزاب أخرى غير الحزب الاشتراكي الدستوري سنة 1981 و يذكر الأستاذ زهير المظفر »، انه تمّ بمقتضى هذا الفصل رفت عشرة نواب من مجلس الأمة « [2]..

3 – قيس سعيد رئيس يجمّد البرلمان ثمّ يحله

يوم 30 مارس 2022 أصدر قيس سعيد رئيس الدولة الأمر عدد 309 لسنة 2022 بحلّ البرلمان و سبق له أن علّق بالأمر عدد 180 لسنة 2021 المؤرخ في 29 جويلية 2021 جميع اختصاصات مجلس نواب الشعب ابتداء من يوم 25 جويلية 2021 لمدة شهر قابلة للتمديد و مدد بالأمر عدد 109 لسنة 2021 المؤرخ في 24 أوت 2021 في تعليق الاختصاصات إلى غاية إشعار آخر ثمّ واصل بالأمر عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر 2021 تعليق جميع اختصاصات مجلس نواب الشعب كما واصل رفع الحصانة البرلمانية عن جميع أعضاء مجلس نواب الشعب و اسند لنفسه صلاحية التشريع من خلال إصدار النصوص ذات الصبغة التشريعية في شكل مراسيم يختمها ويأذن بنشرها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بعد مداولة مجلس الوزراء.

4– من شارع جول فيري الى شارع الحبيب بورقيبة

لقد ظل البرلمان التونسي مطلب المصلحين التونسيين منذ القرن التاسع عشر وعلى رأسهم خيرالدين وتأكيده على مبدأ الشورى في كتابة «أقوم المسالك« وكان مطلبهم أيام الاستعمار الفرنسي أيضا . رفع شعار « برلمان تونسي « يوم 8 أفريل 1938 أثناء الخطاب الشهير الذي ألقاه زعيم الشباب على البلهوان أمام مقر الإقامة العامة ومن أهمّ ما جاء فيه: إنّ البرلمان التونسي لا ينبني الا على جماجم العباد، ولا يقام إلاّ على سواعد الشباب! جاهدوا في الله حق جهاده، اذا اعترضكم الجيش الفرنسي أو الجندرمة شرّدوهم في الفيافي والصحاري وافعلوا بهم ما شئتم، وأنتم الوطنيّون الدائمون في بلادكم وهم (أي الاستعماريون) الدخلاء عليكم!

ومن الغريب هذه الأيام أن يكون مصير هذا البرلمان بعد الثورة وهو البرلمان الوحيد المنتخب ديمقراطيا منذ انتخاب المجلس الوطني التأسيسي في 23 اكتوبر 2011 التجميد ثم الحل والذهاب إلى انتخابات تشريعية جديدة تشير كثير من الدلائل أنها قد تهدد بشكل جدي هذه التجربة الديمقراطية التونسية الناشئة التي أنقذت آخر ما تبقى من الربيع العربي ..بل ما هو أكثر غرابة ان التونسيين تظاهروا أيام الاستعمار في نهج جول فيري ( شارع الحبيب بورقيبة اليوم ) وطالبوا ببرلمان وتحدوا المستعمر و المقيم العام « أرمون ڤيون « «Armand Guillon »، الذي كان يطلّ من شرفة الإقامة العامة وينظر الى مظاهرة 8 أفريل وحماس الشباب الثائر عاجزا عن فعل أي شيء غير القتل والقمع الذي سيسلطه في الغد على الأحرار أما اليوم فقد منعوا من دخول الشارع للتظاهر ضد حل البرلمان الاجراء المخالف للدستور ودفع بهم إلى أطرافه بقوة العنف وقهر العصا . غير أن التاريخ ليس حساب أيام و شهور. انه حصيلة عشرات ومئات السنين من النضال وقودها الأرواح والأعمار من أجل أن يكون الإنسان حرا لا عبدا ومواطنا لا رعية ..وهو في كل ذلك يسير في طريق ملتوية متعرجة صعبة مليئة بالأحداث والحوادث، ولكن مهما تكن الانكسارات والنوائب فسيظل مطلب الحرية في عمق الوجدان الإنساني وغاية نبيلة من غايات العقل المستنير.


هوامش

[1] – يراجع كتاب "إتحاف أهل الزمان بإخبار ملوك تونس و عهد الأمان"للوزير المؤرخ احمد بن أبي الضياف. المجلد الثالث الجزء الخامس، منشورات زخارف ص 134.

[2] يراجع كتاب " النظام الانتخابي في تونس" للأستاذ زهير المظفر . منشورات المطبعة لرسمية للجمهورية التونسية 2005 الصفحة 5.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات