الشعب التونسي الكريم

“أحبك يا شعب” … من أشهر ما قاله الزعيم النقابي والوطني التونسي الكبير فرحات حشاد (1914-1952) مؤسس “الاتحاد العام التونسي للشغل” الذي اغتالته فرنسا وهو في عز عطائه النضالي. وقبل سنوات عديدة كتب أحد التونسيين، لا أذكر من هو للأسف، ساخطا متبرما يقول “بودّي أن أعرف ما الذي أحبه في هذا الشعب بالتحديد؟!”..

مناسبة هذا الحديث كله، ما يبديه كثيرون من استغراب شديد ومرارة أشد من هذه استكانة معظم هذا الشعب لظروف سياسية لم يسبق أن عرفها بمثل هذا السوء منذ الاستقلال عام 1956، فلا “المجاهد الأكبر” الحبيب بورقيبة أب الاستقلال وباني الدولة الحديثة ولا “صانع التغيير” زين العابدين بن علي عرفا خلال حكمهما، وقد امتد ثلاثين عاما للأول (1957-1987) وثلاثة وعشرين عاما للثاني (1987-2010)، حكما مطلقا مفتوحا كالذي يعرفه حاليا قيس سعيّد بلا دستور عمليا، وبلا برلمان، مع سعي حثيث لهندسة جديدة للبلاد بأكملها على مزاجه الخاص.

تزداد الأمور غرابة أن كل ذلك يجري والبلاد في أسوأ أوضاعها الاقتصادية والمعيشية من ارتفاع البطالة وغلاء فاحش وتأخر في دفع الرواتب وغياب عديد المواد الغذائية والأدوية، في وقت تتراجع فيه كذلك المالية العمومية وتعجز فيه الدولة عن دفع الكثير من الاستحقاقات يُخشى أن تصل إلى أقساط الديون لأول مرة في تاريخها. ومع ذلك، لا تبدو الدول الغربية ولا العربية الشقيقة مستعدة للمساعدة في مناخ غامض وملتبس لم تتقدم فيه محادثات تونس مع صندوق النقد الدولي رغم الحاجة الماسة للمليارات الأربعة التي تطلبها تونس.

إذا كان المرء غاضبا من كل ما سبق فبإمكانه أن ينفجر ساخطا على هذا الشعب الذي يراه مستسلما أمام الاستبداد السياسي والضنك الاجتماعي كما لم يفعل من قبل، أما إذا شاء أن يكون متفهما فبإمكانه أن يلتمس للناس عذرا فالكل مشغول بتدبير حياته اليومية وقوت عياله بحيث لم تعد شؤون الحكم وأهله همّه الكبير خاصة وقد رأى منهم طوال سنوات كل شيء منفّر، أما إذا كان هذا المرء راغبا في تعميق المسائل وطرح التساؤلات فبإمكانه أن يصل حد التفكير في ما إذا كانت الديمقراطية حقا هي المطلب الأول لعموم الناس وما إذا كان بإمكانها فعلا أن تأتي في مرتبة تسبق تأمين قوته وضمان أمنه؟؟.

واضح الآن أنه من الصعب إطلاق أحكام نهائية وباتة على شعب كامل قد لا يكون بالضرورة مجمعا على رأي واحد نهائي، وقد يكون من الظلم تصنيفه بناء على انطباعات ليس أكثر لأن المحطات الانتخابية الكبرى هي التي تسمح لأي واحد في النهاية بأن يقول إن الشعب قال كلمته وما عدا ذلك كلام مرسل، لاسيما وأن عمليات سبر الآراء عندنا تفتقد إلى الكثير من الدقة والمصداقية. والمفارقة هنا أن حتى “الاستشارة الإلكترونية” التي أرادها قيس سعيّد قاعدة لتعديلاته القانونية وللاستفتاء عليها لاحقا لم يُقبل الناس عليها وكانت فشلا ذريعا بكل المقاييس، لكن الرجل اعتبرها “ناجحة” ومضى في طريقه الذي سطّره بنفسه ولنفسه.

لم يعد هناك من شك الآن، أن قيس سعيّد، في إصراره الكبير على فرض تصوراته وأجندته للحكم، إنما يعتمد على المؤسستين الأمنية والعسكرية اللتين وقفتا إلى صفه، رغم كل الخروق الدستورية الفاحشة، والتي وصلت حد قول الشيء ونقيضه خلال يومين فقط فيما يتعلق بحل البرلمان على سبيل المثال، مما يقودنا إلى ضرورة مراجعة الكثير مما كانت تتغنى به الطبقة السياسية في الأعوام الماضية عن “الأمن الجمهوري” و”الجيش الجمهوري” فالأمور ليست أبدا بمثل هذه الوردية للأسف الشديد.

ويزداد المشهد حيرة حين ترى قوى اجتماعية كبرى مثل “الاتحاد العام التونسي للشغل” أو منظمة أرباب العمل أو حتى عمادة المحامين، في شخص عميدها تحديدا، وقد قررت التناغم مع الأمر القائم الذي فرضه سعيّد إلى حد الحديث عن “التطابق التام” وفق تعبير الأمين العام للمنظمة النقابية. تناست كل هذه القوى، وغيرها، ما كانت تقوله طوال هذه السنوات عن “دولة القانون والمؤسسات” ورأت أن عليها، مرة أخرى، العودة إلى “بيت الطاعة” التي فرضها الحكم في تونس طوال نصف قرن. المصيبة أنها، وهي تفعل ذلك، لا يحكمها شيء سوى النكاية السياسية والخوف من المحاسبة مع كل ما يتردد عن فساد مستفحل يعشش في معظمها.

لو كانت هناك انتخابات رئاسية وبرلمانية حقيقية ستجري في تونس قريبا لكان بالإمكان القول إن كل هذه الأزمة ستجد في النهاية طريقها إلى الحل، خاصة إذا سبقها حوار وطني يتفق فيه الجميع على الاصلاحات المطلوبة، أما وأن هذه الانتخابات لن تكون سوى برلمانية، وفي نهاية هذا العام رغم حل البرلمان وما يفرضه من آجال لتنظيم انتخابات جديدة، مع قرار مسبق بمن سيشارك فيها ومن سيُقصى واقتصار الحوار على الأطراف التي تؤيد قيس سعيّد… فإن ذلك لا يمكن أن يسمّى سوى هروب إلى الأمام وإمعان في تعقيد وضع لن يكون من السهل تجاوزه لاحقا إلا بتكلفة غالية جدا جدا.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات