"الإستبداد هو الطريق إلى الديموقراطية"!! المعضلة ( nœud gordien)

حيرة تستبد بي وانا احاول ان افهم منطق وخلفية بعض "النخبة" التي ترى انه طالما أن القضاء على النهضة يقتضي التضحية بالديموقراطية.. فلتذهب الديموقراطية إلى الجحيم أو في أفضل الحالات فلنقيد الديموقراطية في باب "ديون مؤجلة الدفع الى أجل غير مسمى"...رغم ان المدين مفلس ومماطل وكل القرائن تدل على ذلك...

هذه الحيرة تكاد تزعزع ثقتي في كل ما راكمت من معارف على بساطتها وقلتها...وما رسخ عندي من قناعات يصعب تغييرها في هذا العمر.... لكن هذه الحيرة تتبدد كلما استحضرت مفهوما اساسيا في العلوم السياسية درسناه في الجامعة... ثم كانت المطالعات الخاصة كفيلة بتأصيله لدي لاحقا.. وهو مفهوم" الثقافة السياسية" culture politique الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي Philipe Braud..وكما يقال "العلم في الصغر كالنقش في الحجر..."..

الثقافة السياسية يقصد بها كل ما يتجمع لدى المواطن من تجارب و معلومات وافكار وميولات حول السياسة فتكون دليله ومنهجه في التعامل مع مجريات الأحداث السياسة.. ولا يقصد بها الثقافة العالمة (العلمية) بل الثقافة المجتمعية بما فيها العلمية..

ويرى أصحاب هذا المفهوم انه كلما كانت هذه الثقافة السياسية فقيرة، كلما كان الفعل و الموقف السياسي ضحلا أو غير عقلاني أو محدود...وهذا الفقر حسب رأيي يستند دائما إلى ثنائيات تبسيطية (مع أو ضد، وطني وخائن، خير وشر، عدو صديق)...

وعودا إلى وجهة نظر بعض "النخبة" حول تأجيل الديموقراطية إلى حين التخلص من "النهضة ومشتقاتها" ، أرى ان خلفيتها ثقافة سياسية غير ديموقراطية فقيرة غذتها وعززتها الأمور التالية:

1. عدم التخلص من ثقافة الاستبداد التي نشأنا عليها داخل الأسرة ومختلف خلايا المجتمع (الإدارة المصنع السوق... ) في مجتمع شرقي ابوي ذكوري والتي افرزت انفصاما ثقافيا تجعل عديد الحقوقيين لا يتورعون عن ضرب زوجاتهم مثلا في المنزل والدفاع عن حرية المرأة في الحزب (ولي أمثلة عينية اسمية كثيرة اتحفظ عليها و بعضها لرموز تاريخية).

2. التلقي "المصلحي" utilitaire للمعارف العلمية و القانونية والحقوقية، وَاقصد بذلك تلقي التعليم بغرض الحصول على شهادة توفر شغلا وقوتا لاغير.. أي دون أن تكون الثقافة العلمية لدى المتعلم حالة المثقف العضوي بالمفهوم الغرامشي Gramsci يعني بالنسبة لهؤلاء لا تأثير لتحصيلهم العلمي على فهم وتحليل المواقف السياسية.. بل يركنون في ذلك إلى ما حصّلوه وفق الواقع المعاش.. ومزاجهم ومواقعهم الذاتية، يستوون في ذلك مع المواطن البسيط العفو المعجب دوما بهتلر وموسيليني ورئيس كوريا الشمالية و القذافي وصدام حسين !!! وهو إعجاب تعويضي فرويدي Freud.. Compensation لحالة الضعف المتمكنة بالشخصية…

3. حالة فقر الشخصية العربية والتونسية المهزومة غير القادرة على اللجوء إلى قيم ايجابية وبناءة... وتنسيبية...لتدارك هزيمتها وإيثارها الركون الى رد الفعل و الرفض والعنف...والمكابرة و العناد (رفض الأجنبي... العنف... نظرية المؤامرة... التعلق المَرضِي بالسيادة...égocentrisme الخ..) على خلاف الشخصية الألمانية أو اليابانية المهزومة التي حولت الهزيمة إلى مجد بفضل اللجوء إلى ما في باطن الشخصية لديهم من إرادة وتصميم وواقعية ترجع جذورهما إلى عوامل عديدة منها الدين والثقافة (الثقافة البروسية وثقافة الساموراي والباطنية البوذية)..

4- الدغمائية المهيمنة على الجميع... فما يعانيه الإسلاميون اليوم من حماس لاقصائهم مارسوه على خصومهم يوما ما بتكفير المثقفين و َالدعوة إلى سحلهم وحملات التنكيل بالفنانين َدعاة المساواة في الإرث... وعندما نذكر ما لقيه محمد الطالبي ويوسف الصديق وشكري المبخوت... وما عاناه أصحاب المقاهي المفتوحة في رمضان... نفهم عمق هذا الفقر الثقافي…

5. الانتهازية السياسية وتلخص في عدو عدوى صديقي...

6. واخيرا وليس اخرا... حالة اليأس من تحقيق الحلم الديموقراطي ونوع من القدرية fatalisme التي تحدد سقف الآمال في اقصاه بكسب القوت بسلام...عبر عنها مفتي سعودي بالقول... "ابتلانا الله بمستبدين لأن العيب فينا"... ويترجمها البعض عندنا إلى اننا "لسنا جاهزين للديموقراطية..."...بل لسنا حديرين بها لدى البعض...

موقفي الشخصي.. ورغم رفضي التام لأي شكل من أشكال الدولة الدينية واقتناعي التام بأن الاسلام السياسي لا يحمل حلولا لمشاكل المجتمع بقدر ما يضيف لها من عراقيل...وايماني بأننا في حاجة لإصلاح ديني شامل، فإن منازلة هذا المشروع ومقارعته لا ينجح الا بتحلله dilution داخل الديموقراطية كما حصل مع تيار الديموقراطية المسيحية…في أوربا وأمريكا اللاتينية.. (واحسب ان دستور 2014 تمثل هذه الحالة ولو شكليا).. الديموقراطية المسيحية التي تحولت من مناد بكاثولوكية الدولة وبأن مصدر الحكم إلهي والعودة إلى الملكية monarchie خلال القرن 19.... إلى تيار محافظ ينادي باحترام الذات البشرية (انا كرمنا الإنسان) وتبجيل الأسرة والبلدية على الدولة ومنع الإجهاض...حتى إن بعض هذا التيار متحالف مع اليسار الماركسي والاشتراكي في أمريكا اللاتينية...

ولقد أكدت التجارب التاريخية ان ما من تيار سياسي أو ديني تمت مقاومته أو محاولة اجتثاثه بالعنف الا واشتدت شوكته (الشيعة في الشرق والبروتستان في الغرب مثالا..)…

والإسلام السياسي لم يولد مع النهضة أو التحرير أو الاخوان.."..فالإسلام هو الحل" له تعبيرات عديده... إذ يعبر عنه أمام الجمعة كما يعبر عنه ذلك الفلاح البسيط أو الصنايعي غير المتعلم الذي يرى بكل عفوية ان سبب البطالة هو تشغيل النساء...ويعبر عنه ذلك "الديموقراطي الليبرالي" الذي رفض المساواة في الإرث ..(نائب برلمان ورئيس الدولة أيضا اعلن ذلك صراحة). . يؤمن به صديقي اليساري جدا الذي دعاني للغداء وصرخ في وجه امه لان الاكل كان باردا...لأنه يستبطنن ان الرجال قوامون على النساء...حسب ادراكه اللاواعي...

لذلك تأصيل الديموقراطية لا يكون بعمل نقيضها... فالديموقراطية ليست جرعة دواء نتجرعها عندما يأذن بذلك الطبيب..(القائد) بل هي مسار شاق وصعب ومحفوف بالمزالق و المخاطر والخيبات… لأنها تنبعث من داخل الفوضى...

اما الاستبداد فهو أسهل نظام حكم...لأنه يعوض فوضى الاختلاف بصمت المقابر...ويوهم الناس بأنه ذلك الهدوء الوحيد الممكن…

المؤسف انهم يضعونك في معضلة عبثية عدمية nœud gordien "نحن مع حكم الفرد لأن النهضة ضده...

"…

"ضعف الطالب والمطلوب" …

ولابد للقيد ان ينكسر…

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات