حكومة سياسية في الأفق.. هل هي حكومة الخلاص الوطني بتونس؟

وقع حكومات الخلاص في الأذن العربية يرتبط بزمجرة محرك الدبابة لذلك، فهي لفظة منكرة وتثير الرعب في النفوس. في تونس ننتظر خلاصا وطنيا بدون دبابة، لذلك فإننا ما لم نسمع زمجرة المجنزرات والبيان رقم واحد سنظل متفائلين بأن السياسة لها اليد العليا بعد، وأننا ماضون في طريق السلم الأهلي.

ولكن ماذا سيكون ثمن هذه السلم؟ بصيغة أخرى، إذا رميت في سوق الكلام السياسي جملة حكومة سياسية وجعلتنا نتفاءل بقرب الخروج من الأزمة الماحقة، فهل ستمتلك هذه الحكومة أسسا متينة لتقوم عليها وتستمر بها، فلا نظل في وضع "كل عام بحكومة" ونحسب الوزراء السابقين ونصرف رواتب تقاعدهم؟ سننفخ بالون الأمل لكي لا نسمع صوت المجنزرة.

فشل الحوار وتفشي الوباء

لن نثقل الورقة بالرجوع إلى جذور الأزمة القائمة، ولكن باختصار منذ تم العبث بنتيجة الانتخابات في نهاية 2019 ولدت الأزمة وظلت تنمو كسرطان. الذين رفضوا القبول بنتيجة الصندوق ومنعوا الحزب الفائز من تحمل مسؤولية الحكم هم من خلق الأزمة وهم سيؤبدونها، ولا نراهم أبدا ينزلون عند نتيجة صندوق انتخابي. من هذه الزاوية البائسة لن نفلح حتى في نفخ بالون، أي خلق وهم خلاص بالحكومة القادمة.

المشهد لم يتغير والقوى مرابطة على مواقفها الاستئصالية، بل نراها تردت إلى مستنقع الفاشية تنسق معها مواقفها وتحركاتها وتستهدف كل حل سياسي محتمل.

ولا ندرك الخلفية التي حركت حزب النهضة ليرمي بالحكومة السياسية في التداول. لا نرى لديه الأغلبية البرلمانية الكافية للمصادقة على حكومة، وحلفاؤه في البرلمان (إذا تماسكوا) أقل عددا مما ينبغي، وبقية الكتل البرلمانية تود هلاكه قبل مشاركته في الحكم. كما لا نراه في وفاق مع رئيس الدولة الذي عليه أمر التكليف بتعيين رئيس الحكومة وقبوله أداء يمين الوزراء القادمين، وهو الذي يعطل الحكومة القائمة منذ نصف سنة.

لقد أطلقت النقابة مبادرة حوار وطني نسجا على حوار سابق حل أزمة حكم بعد الاغتيالات السياسية، وخرجت منه النقابة قوية تحكم من خلف ستار ولا يُقبل وزير إلا بموافقة منها. لكن هذه المبادرة فشلت ونرجح أنها لم تكن جادة إلا لجهة تبرير مؤتمر النقابة غير القانوني الذي استعادت فيه القيادة كراسيها منقلبة على نظام المنظمة، بما حوّل القيادة الحالية إلى طرف فاعل لا يمكن تجاوزه. وقد كانت هذه فعلا خلفية مبادرة الحوار، أي تحويل القيادة النقابية إلى حَكَمِ فوق القانون؛ لن يعيد ذكر الحوار الوطني ولو على سبيل المزاح الثقيل.

وغير خاف على أحد أن تفشي الوباء وارتفاع حصيلة الموتى بكوفي قد كسر ظهر هذه الحكومة (وقد حرض عليها الجميع بمن فيهم الرئيس)، ولكن هل كانت لديها فعلا سياسة صحية ملائمة؟ والسؤال الأهم: كيف ستكون مواجهة الحكومة القادمة للوباء إذا كانت ستقوم في نفس ظروف الحكومة الحالية وبنفس المكونات تقريبا؟

رغم ذلك فالسياسة لا تزال يدا عليا

الصورة قاتمة نعم، ولا يخفف من قتامتها إلا أن الجميع عاجزون دون تحريك الدبابة، بما لا يجعل أحدا يكتب البيان رقم واحد، وإن كان البعض ممن شكل دماغه على شكل بيادة عسكرية يحلم بذلك. لفظ الخلاص هنا لفظ غير عسكري، والجميع يتحركون تحت سقف القانون.

نسمع هذه الأيام تلاعنا محتدما بين أنصار الحكومة، وبالتحديد حزب النهضة، وبين أعدائها (كلمة خصوم لم تعد تكشف عمق العدوانية بين هؤلاء). وهذه الضجة نقرأها كضجة تفاوضية على مقاعد في الحكومة القادمة.

عندما يخرج أمين عام النقابة من داخل مؤتمره الانقلابي ويقول مستعدون لهدنة اجتماعية بسنتين إذا لم تحكم النهضة، وهو العارف بأنه لا حكم عمليا دون الحزب الأول وأنصاره، لذلك وجب أن نقرأ هذا التصريح كتعبير عن رغبة في المشاركة مع النهضة لا الحكم بدونها. وهذه جمل رفع السقف التفاوضي، فإذا رضيت المنظمة سيصمت كل المختفين خلفها ويحاربون بها، وهم كثر في شتات يتوحدون خلف المنظمة من أجل نيل نصيب من السلطة، دون التفريط في مقعد معارضة غير جادة.

وجب أن نستوعب هنا أمرا مهما جدا في الوضع التونسي خاصة.. الجميع يقرأون السلطة كغنيمة مجزية لا يجب أن يستفرد بها طرف واحد (ويأكل وحده). وعقل الغنيمة عقل يود السلم ويكره الحرب قاطعة الأرزاق ومغيرة الخرائط وموزعة الفائدة بحسب الشجاعة.

أخلاق الغنيمة أخلاق جبناء (محاسبية أو تجار)، لذلك يقدمون السياسة على الحرب. وما حديث الطهورية الثورية إلا مزايدة بنت لحظتها، ولا يعول عليها لنقض النظام وإقامة البديل الثوري. وقد كان ابن علي يعرف ذلك عن معارضيه، لذلك كان يسهل عليه إخضاعهم بالجزرة ويستخرج العصا للأعلى صوتا فقط. وكانت القيادات النقابية دوما تلتقط بقية عشائه وتتحدث عن الوطنية.

هناك على الأقل شخص واحد يفاوض على هذا الأساس وهو شيخ النهضة، وقد أكل الكثيرون على مائدته منذ الثورة وهو يضحك منهم عندما يسبونه بعد عشاء على "مائدة سيدي الشيخ". ونعتقد أنه يقرأ التلاعن المهيمن الآن على أنه خطاب تفاوضي على حكومة سياسية أعلنها ويضمن لها الوجود والبقاء، لكن بأي برنامج؟ هنا تنفتح كل الاحتمالات السيئة.

حكومة تشبه سابقتها ولا خلاص

التفاوض تحت وابل اللعنات وإن كانت أطرافه ذكية أو مدربة، يمكن أن ينتج حكومة ولنقل حكومة سياسية، ولكن على أي أساس؟

لقد أسلفنا أن المشهد السياسي والبرلماني لم يتغير، وبالتالي فإن قواعد التفاوض ومطالب المتفاوضين لم تتغير. حكومة تقسيم مغانم لا تملك برنامجا للخروج من الأزمة، ستنشغل بمواقع وزرائها ومواقع ولاتها (المحافظين)، وكل تفصيل فيه مكسب لحزب أو لنقابة، وسيكون مصيرها مثل مصير سابقتها.. العجز أمام تشتت رغبات مكوناتها.

وحتى لو اتفقت على إنشاء المحكمة الدستورية (وهو كلام نسمعه كشرط على المشاركة في الحكومة)، فإن ذلك لن يخفي الوضع الاقتصادي المنهار. ويمكننا رؤية النقابة داخل الحكومة بوزراء تفرضهم (الشؤون الاجتماعية والنقل والتجهيز حيث صرة المغانم الكبيرة)، ثم تنكص على دعم البرلمان في إنشاء المحكمة. فالنقابة ليست ممثلة في البرلمان، ولعبة القبض ثم النكوص لعبة تتقنها النقابة وتبدع فيها.

طيب لا نسمع زمجرة الدبابة ولا البيان رقم واحد، ولكن نرى حقيقة تتجلى في الوضع السياسي الحالي بالنخبة السياسية الموجودة. هذا الوضع لم يعد يمتلك أسباب البقاء ولو بحكومة سياسية، فمتى سينهار؟ قد تكون هذه الحكومة هي آخر رقعة على ثوب تونس الذي أبلته نخبة المغانم الصغيرة، ولعل ذلك هو بالون الأمل لجيل آخر في زمن قادم نتمناه قريبا.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات