الحرية الفاضحة

Photo

زمن الدكتاتورية، كنا نظن أن انجلاءها كاف وزيادة لإقامة دولة الحقوق الإنسانية الأساسية كالعدل والمساواة وحرية الرأي والتعبير. كنا مطمئنين جدا لهذه البديهية، حتى أن التيارات الايديولوجية في الجامعة كانت تتناقض فيما بينها جذريا حول طبيعة الدولة المستقبلية المبشّر بها، ولكنها لا تختلف في اتهام النظام القائم بأنه استبدادي دكتاتوري مجرم تصفوي... الخ.. كل تلك النعوت لأنه يمنعها من إقامة دولتها الشيوعية أو دولة الوحدة أو دولة الإسلام. كانت كلها تلوم النظام على أنه غير ديمقراطي بما يكفي لتمكينها من الدعوة إلى أنظمة غير ديمقراطية.

ويكتب مستكتبوها/مبدعوها من أشباه الكتاب أغنيات حول الحرية يستلهمونها من رموز الحرية والنضال مثل لوركا وناظم حكمت وغيفارا قبل أن يلتحق بهم أبو ذرّ.. ويشحنون مناضليهم بقيم الفداء والتضحية والصمود والخلود حتى يكونوا جنودا خلّصا لبرنامج ثوري هدفه إسقاط الدكتاتورية.. لإقامة دكتاتورية بديلة.

للأسف هذه هي الحقيقة الوحيدة التي تمخض عنها الانتقال التونسي العسير.

ورغم أن المنجز الدستوري يؤسس حتى الآن لديمقراطية ممكنة، فلا يجب أن ننسى أنه منجز هش ومترنح قام بفضل تسويات نظرية وسياسية عسيرة بين أطراف اضطرّت إلى التضحية تكتيكيا فقط بقناعاتها التسلطية اللاديمقراطية.. اضطرارا.

اليسار اضطرّ مرغما إلى القبول بإسلاميين رحعيين ظلاميين وإقطاعيين وعملاء. الإسلاميون اضطروا لقبول يسار شيوعي ملحد معاد لعقيدة الشعب وهويته الأصيلة وموال للثقافة الفرنسية الاستعمارية وغريب عن هذه الأرض الطاهرة، واضطروا إلى القبول بالقوميين أحفاد عبد الناصر الدموي الذي قتل إخوانهم وعذبهم في سجونه ونكل بهم.

والقوميون قبلوا مرغمين بالإسلاميين أعداء زعيمهم المقدّس وسبب هزيمته وموته.. فلولا خيانة الإخوان لعبد الناصر لحرر فلسطين ولبنى دولة الوحدة العربية الاشتراكية ولصفّى الاستعمار واستأصل نهائيا ذيوله من أرض العرب. قبل اليسار أيضا بالقوميين الرجعيين الشوفينيين. وقبِل القوميون بالشيوعيين الذين ينكرون المرحلة القومية لصالح أممية هلامية... الخ.

في لحظة ما كنت أظن أن عقلا تونسيا جماعيا ما بدأ يتشكل عبر تيارات تفكير واصلة بين التناقضات التي كنت بصدد سردها…عقل عملي يتدخل في كل مرة ليمنع انفجار ألغام الايديولوجيا وألغام تاريخ طويل من التخلف الحضاري والتكلس المجتمعي، ومع إيماني بأن هذا العقل الجماعي يحتاج زمنا كافيا ليتبلور ويتحول إلى بنى ذهنية ونفسية مشتركة، فإن ما تكشفه بعض الحوادث الخطيرة من مواقف صادمة بفضل مناخ الحرية، مثل تبرير القتل دفاعا عن تصور عاطفي غريزي للدين، أو القول بعدم حاجتنا لديمقراطية ستأخذنا إلى المساواة في الميراث ، أو القول بأن الديمقراطية استنفدت أغراضها ويجب أن نجرب حالا بديلا عنها... مواقف تعيدنا إلى سؤال البدايات : هل يمكن لمجتمع بهذا العجز المخيف عن التجدّد لدى الفاعلين فيه أن يتقدم فعلا؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات